ابن الجوزي

554

كتاب ذم الهوى

صوف من جباب أهل البادية ، واعتمّ بمثل عمائمهم ، وأخذ بإحدى يديه دجاجا وباليد الأخرى قفصا فيه بيض ، كأنه قدم من بعض الضياع ، وتحيّن جلوس أسلم عند اختلاط الظلام على بابه ، فتقدم إليه وقبّل يده وقال : يا مولاي من يقبض هذا ؟ فقال له أسلم : من أنت ؟ قال : أجيرك في الضّيعة الفلانية وقد كان تعرّف أسماء ضياعه والعاملين فيها ، فأمر أسلم غلمانه بقبض ذلك منه على عادتهم في قبول هدايا العاملين في ضياعهم ، ثم جعل يسأله عن أحوال الضيعة ، فلما جاوبه أنكر الكلام ، فتأمله فعرفه ، فقال له : يا أخي إلى هاهنا تتبعني ؟ ! أما كفاك انقطاعي عن مجالس الطلب ، وعن الخروج جملة ، وعن القعود على بابي نهارا حتى قطعت عليّ جميع ما لي فيه راحة ؟ فقد صرت في سجنك ، واللّه لا فارقت بعد هذه الليلة قعر منزلي ، ولا جلست بعدها على بابي لا ليلا ولا نهارا ؟ ! ! . ثم قام ، وانصرف أحمد بن كليب حزينا كئيبا . قال محمد : واتصل ذلك بنا فقلنا لأحمد بن كليب : خسرت دجاجك وبيضك ؟ ! فقال : هات كلّ ليلة قبلة يده وأخسر أضعاف ذلك ! . قال : فلما يئس من رؤيته البتة نهكته العلة وأضجعه المرض . قال محمد بن الحسن : فأخبرني شيخنا محمد بن خطاب قال : فعدته فوجدته بأسوأ حال ، فقلت له : ولم لا تتداوى ؟ فقال : دوائي معروف ، وأما الأطباء فلا حيلة لهم فيّ البتة . فقلت له : وما دواؤك ؟ قال : نظرة من أسلم ، فلو سعيت في أن يزورني لأعظم اللّه أجرك بذلك وأجره . قال : فرحمته وتقطّعت نفسي له حسرة . فنهضت إلى أسلم ، فاستأذنت عليه ، فأذن لي وتلقّاني بما يجب ، فقلت له : لي حاجة . فقال : وما هي ؟ قلت : قد علمت ما جمعك مع أحمد بن كليب من ذمام الطلب عندي . فقال : نعم ، ولكن قد تعلم أنه برح بي وشهر اسمي وآذاني . فقلت له : كل ذلك يغتفر في مثل هذه