ابن الجوزي

550

كتاب ذم الهوى

فجعل يصف كلّ دواء ، فلما طالت علّته دعا أبوه فتيانا من الحي ، وإخوانه الذين كانوا له أنسا ، فقال : اخلوا به وسلوه عن علته ، لعله يخبركم ببعض ما يجده . فأتوه فسألوه ، فقال : واللّه ما بي علة أعرفها فأبيّنها لكم ، وأخبركم بما أجد منها ، فأقلّوا الكلام . وكان الفتى ذا عقل ، فلما طال به الوجد دعا امرأة من أهله ، وقال : إني ملق إليك حديثا ما ألقيته إلا عند اليأس من نفسي ، فإن ضمنت لي كتمانه أخبرتك وإلا صبرت حتى يحكم اللّه في أمري ، وبعد ، فو اللّه ما أخبرت به أحدا قبلك ، ولئن كتمت عليّ لا أخبر به أحدا بعدك ، وإن هذا البلاء الذي أرى لا شكّ قاتلي ، وإنه يجب عليّ في محبتي لمن أحبّ أن أكون له صائنا ، وعليه مشفقا من تزيّد الناس وإكثارهم ، فاللّه اللّه في أمري ، واجعليه محرزا في صدرك . فقالت له المرأة : قل يا بني ، فو اللّه لأكتمنّ أمرك ما بقيت . فقال : إن من قصتي كذا وكذا . قالت : يا بنيّ أفلا أخبرتنا ؟ فو اللّه ما رأيت كلمة تسكن القلب فلا تفارقه من كلمة عاشق أخبر من يحبه أنه له وامق ، فتلك الكلمة تزرع في قلوب ذوي الألباب شجرا لا تدرك أصوله . فقال : ومن لي بها ؟ وكيف السبيل إليها ؟ وقد بلغك حالها وشدّة عبادتها ؟ . قالت : يا بني عليّ أن آتيك بما تسرّ به . فلبست ثوبها وأتت منزل الجارية ، فدخلت فسلّمت على أمها وحادثتها ساعة ، فسألتها أمها عن حاله وعن وجده ، فقالت : واللّه لقد رأيت الأوجاع والآلام ، فما رأيت وجعا قط كوجعه ، وإنه ليزيد ويتراقى ، وهو في ذلك صابر غير شاك . قالت : ألا تدعون له الأطباء ؟ . قالت : واللّه ما وقع أحد منهم على دائه . ثم قامت فدخلت على الجارية ، فسلّمت عليها ، وحادثتها ساعة ، وقد كان وقع إلى الجارية خبره ، فعلمت أن ذلك من أجلها ، فقالت لها المرأة : يا بنية أبليت شبابك ، وأفنيت أيامك على هذه الحال ! . قالت : يا عمتاه : أية حال سوء تريني عليها ؟ قالت : لا يا بنية ، ولكن مثلك يفرح في الدنيا ، ويلذّ ببعض ما أحلّ اللّه ، غير تاركة لطاعة ربك ، ولا