ابن الجوزي
551
كتاب ذم الهوى
مفارقة لخدمته ، فيجمع اللّه لك بذلك الدارين جميعا . قالت : يا عمتاه ، وهذه الدار دار بقاء تثق بها الجوارح ، فتجعل للّه شطرها ، وللدنيا شطرها ، أم دار فناء ؟ ! قالت : لا يا بنية بل دار فناء ولكن اللّه تعالى قد جعل لعباده فيها ساعات صدقة منه على النفوس ، تنال فيها ما أحلّ ، فقالت : صدقت ، ولكنّ للّه عبادا قد سكنت نفوسهم ورضيت بالصبر على الطاعة ، لتنال جملة الكرامة ، وإن كلامك ليدلّني على أن تحته علّة ، وهو الذي حملك على مناظرتك لي على مثل هذا . وقد كنت واللّه أظن قبل اليوم فيك أنك تأمرين بالحرص على طاعة اللّه عز وجل ، والتقرب إليه بالأعمال الزكية ، فقد أصبحت متغيرة عما عهدتك عليه ، فأخبريني بما عندك . فقالت : يا بنية إن من قصة فلان كذا وكذا . قالت : قد ظننت ذلك ، فأبلغيه مني السّلام ، وقولي : أي أخاه ، إني واللّه قد وهبت نفسي لمليك يكافىء من أقرضه بالعطايا الجزيلة ، ويعين من انقطع إليه وخدمه ، وليس إلى الرجوع بعد الهبة سبيل . فتوسّل إلى مولاك بمحابّه ، واضرع إليه في غفران ما قدمت يداك ، من عمل لم تهبه فيه ، فهو أول ما يجب عليك أن تسأله ، وأول ما يجب عليّ أن أعظك به ، فإذا خدمته قدر ما عصيته طاب لك الفراغ عن سؤال شهوات القلوب وخطرات الصدور ، فإنه لا يحسن بعبد كان لمولاه عاصيا أن ينسى ذنوبه والاعتذار منها ، ويسأل الحوائج . فاستنقذ نفسك يا أخي من مهلكات الذنوب ، ولست مؤيستك من فضله إن رآك متبتّلا إليه أن يمنّ بي عليك ، وليكن ما أخبرتك به نصب عينيك ، ولا ترادّني في المسألة فلا أجيبك . والسّلام . فقامت المرأة فأخبرته بمقالتها فبكى بكاء شديدا ، فقالت العجوز : واللّه يا بنيّ ما رأيت امرأة اللّه عز وجل في صدرها مثل هذه المرأة ، فاعمل بما أمرتك به ، فقد واللّه بالغت في النصيحة ، فلا تلق نفسك لمهلكات الأمور فتندم حيث لا تغني الندامة ، ولو علمت يا بني أن حيلة تنفذ لاحتلتها ، ولكني رأيتها قد جعلت