ابن الجوزي
540
كتاب ذم الهوى
قال : ولهج بهذه الأبيات : ألا إنما التقوى ركائب أدلجت قال : فعظم عليّ ما نزل به ، وشغل قلبي ، وأخذه شبيه بالسّهو ، ويقول في بعض الساعات : رب لا تسلبني ديني ولا تفتنّي بعد إذ هديتني . فقلت في نفسي : ما أراه إلا وقد غلبت عليه وسوسة من الشيطان ، فهو يخاف ، ومكث بذلك حينا ما يزداد إلا ضني ، وجعل أهله يسألونني فأقول : واللّه ما علمي به إلا كعلمكم ، ولقد سألته عن حاله ، فما يخبرني بشيء . واشتد عليه الأمر فسقط على الفراش ، وكان الناس يعودونه ، ودخل الأطباء عليه ، فبعضهم يقول : سلّ ، وبعضهم يقول : غمّ ، واختلفت في أمره علينا الأقاويل ، وكان لا يتكلم بشيء أكثر من قوله : ألا إنما التقوى ركائب أدلجت * فأدركت الساري بليل فلم ينم قال : ولم يزل به الأمر حتى غلب على عقله وضاق به مكانه ، فأدخلناه بيتا فكان يصرخ الليل كلّه ، فإذا ملّ من الصراخ أنّ كما يئنّ المدنف من علّته فأشاروا علينا بتخليته وقالوا : إنكم إن خليتموه تفرّح واستراح . فخلّيناه ، فكان إذا أصبح خرج فقعد على باب داره ، فكلّ من مرّ به سأله أين تريد ؟ فيقول : أريد موضع كذا وكذا . فيقول : اذهب محفوظا ، لو كان طريقك على بغيتنا أودعناك كلاما . قال : فمرّ به بعض إخوانه فقال : أين تريد ؟ قال : أريد حيث تحبّ ، فهل لك من حاجة ؟ قال نعم ، قال : ما هي ؟ فقال : تقرا السّلام على الحبيب تحية * وتبثّه بمطاول الأسقام وتقل له : إن التّقى زمّ الهوى * لما سما مستعجلا بزمام فقال : أفعل إن شاء اللّه ، قال فمضى فما كان بأسرع من أن رجع ، فقال : قد بلّغت القوم رسالتك . قال : فما قالوا ؟ قال : قالوا :