ابن الجوزي
535
كتاب ذم الهوى
أخبرتنا شهدة ، قالت : أنبأنا جعفر بن أحمد ، قال : أنبأنا القاضي أبو الحسين أحمد بن علي التّوّزي ، قال : أنبأنا عبيد اللّه بن أحمد الجرادي ، قال : أنبأنا جعفر . وأنبأنا الحسين بن محمد بن طاهر الدّقاق ، قال : أنبأنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن المكتفي باللّه ، قالا : حدثنا ابن دريد ، قال : أنبأنا عبد الرحمن ، عن عمه ، عن يونس ، قال : انصرفت من الحج ، فمررت بماويه ، وكان لي فيها صديق من بني عامر بن صعصعة ، فصرت إليه مسلّما ، فأنزلني ، فبينا أنا عنده ونحن قاعدان بفنائه ، إذا نساء مستبشرات ، وهن يقلن : تكلّم تكلم ، فقلت : ما هذا ؟ فقالوا : فتى منّا ، كان يعشق ابنة عم له فتزوجت وحملت إلى ناحية الحجاز ، فإنه لعلى فراشه منذ حول ما تكلم . فقلت : أحبّ أن أراه . فقام وقمت معه ، فمشينا غير بعيد ، وإذا فتى مضطجع بفناء بيت من تلك البيوت ، لم يبق منه إلا خيال . فأكبّ الشيخ عليه فسأله ، وأمه واقفة ، فقالت : يا مالك هذا عمك أبو فلان ، يعودك ، ففتح عينه وأنشأ يقول : ليبكني اليوم أهل الودّ والشفق * لم يبق من مهجتي شيء سوى رمقي اليوم آخر عهدي بالحياة فقد * أطلقت من ربقة الأحزان والقلق ثم تنفّس الصعداء فإذا هو ميت ، فقام الشيخ ، وقمت فانصرفت إلى خبائه ، وإذا امرأة بضّة تبكي وتفجّع ، فقال الشيخ : ما يبكيك ؟ فأنشأت تقول : ألا أبكي لصبّ شفّ مهجته * طول السّقام وأضنى جسمه الكمد يا ليت من خلّف القلب المهيم به * عندي فأشكو إليه بعض ما أجد أنشر تربك أسرى لي النسيم به * أم أنت حيث يناط السّحر « 1 » والكبد ثم انكبّت على كبدها ، وشهقت فإذا هي ميتة .
--> ( 1 ) السحر : الرئة .