ابن الجوزي
498
كتاب ذم الهوى
سوى أنّ دائي منك داء مودة * قديما ولم يمزج كما تمزج الخمر وما أنس ما لأشياء لا أنس دمعها * ودمعتها حتى يغيّبني القبر فبينما هما على أشد ما كانا عليه من الهوى والصبوة ، هجم عليهم خالد بن الوليد يوم الغميصاء « 1 » ، فأخذ الغلام رجل من أصحاب خالد ، فأراد قتله . فقال له : ألمم بي أهل تلك البيوت أقضي إليهن حاجة ، ثم افعل ما بدا لك . قال : فأقبلت به حتى انتهى إلى خيمة منها ، فقال : اسلمي حبيش بعد انقطاع العيش . فأجابته فقالت : سلمت وحيّاك اللّه عشرا وتسعا وترا وثمانيا تترى ، فلم أر مثلك يقتل صبرا . وخرجت تشتدّ وعليها خمار أسود قد لاثته على رأسها ، وكأنّ وجهها القمر ليلة البدر . فقال حين نظر إليها : أريتك أن طالبتكم فوجدتكم * ببرزة أو أدركتكم بالخوانق أما كان حقّا أن ينوّل عاشق * تكلّف إدلاج السّرى والودائق فإني لا سرّ لديّ أضعته * ولا راق عيني بعد وجهك رائق على أنّ ما ناب العشيرة شاغل * فلا ذكر إلا أن يكون توامق فها أنا مأسور لديك مكبّل * وما إن أراني بعده اليوم ناطق فأجابته : أرى لك أسبابا أظنك مخرجا * بها النفس من جنبيّ والروح زاهق فأجابها فقال : فإن يقتلوني يا حبيش فلم يدع * هواك لهم منّي سوى غلّة الصّدر وأنت التي قفّلت جلدي على دمي * وعظمي وأسبلت الدموع على النحر
--> ( 1 ) يوم الغميصاء : سرية كانت لخالد بن الوليد إلى جذيمة .