ابن الجوزي

478

كتاب ذم الهوى

يشيع جنازة ، فسألته عن السبب فقال : خرجت يوما ببغداد في نصف النهار من يوم حار لحاجة لي فاستقبلتني جنازة يحملها اثنان ، فقلت : غريب فقير ، أربّعها فأثاب ، فدخلت تحتها بدلا من أحد الحمّالين ، فحين استقرت على كتفي افتقدت الحمال ، فقلت : يا حمّال يا حمال ؟ فقال الآخر : إيش تريد ؟ امش واسكت ، قد انصرف الحمال ، فقلت : الساعة واللّه أرمي بها ، فقال الحمال : واللّه لئن فعلت لأصيحنّ . فاستحييت ، واحتملت الأذى ، وقلت : ثواب ، وما زلت أسير في الشمس والرمضاء ، إلى الشّونيزيّة فلما حططنا الجنازة في مسجد الجنائز هرب الحمال الآخر ، فقلت في نفسي : ما لهؤلاء الملاعين ! واللّه لأتممن الثواب . وأخرجت من كمي دراهم ، وصحت : يا حفار : أين قبر هذه الجنازة ، فقال : لا أدري ، فقلت : احفر . فأخذ مني درهمين ، وحفر قبرا ، فلما صوّبت عليه الجنازة ليأخذ الميت ليدفنه ، وثب من اللحد وتلكّمني وجعل عمامتي في رقبتي ، وصاح : يا قوم قتيل ، واجتمع الناس وسألوه ، فقال : هذا جاء برجل مقطوع الرأس لأدفنه له ، فحلّ الكفن فوجد الأمر على ما قاله الحفار ، فبهتّ وتحيّرت ، وجرى عليّ من العامة من المكروه ما كادت نفسي تتلف ، إلى أن حملت إلى صاحب الشرطة فأخبر الخبر ، فجردت للسياط وأنا ساكت باهت ، وكان له كاتب ، فحين رأى حيرتي قال له : أنظرني حتى أكشف أمر هذا الرجل ، فإني أحسبه مظلوما . فخلا بي ، وساءلني فأخبرته خبري ، لم أزد فيه ولم أنقص ، فنحّى الميت عن الجنازة ، وفتّشها ، فوجد فيها كتابة أنها للمسجد الفلاني للناحية الفلانية ، فأخذ معه رجاله ، ومضى فدخل المسجد متنكرا ، فوجد فيه خياطا ، فسأله عن جنازة كأنه يريد أن يحمل عليها ميتا له ، فقال الخياط : للمسجد جنازة إلا أنها أخذت منه الغداة لحمل ميت ، ولم تردّ . فقال : من أخذها ؟ فقال : أهل تلك الدار ، وأومأ إليها . فكبسها الكاتب برجالة الشرطة ، فوجد فيها رجالا فقبض عليهم ، وحملهم إلى الشرطة ، وأخبر صاحبه الخبر ، فقدم القوم ، وقرّرهم ؛ فأقروا : أنهم تغايروا على غلام أمرد معهم فقتلوه ، وحزّوا رأسه ، ودفنوه في بئر حفروها في الدار ،