ابن الجوزي

467

كتاب ذم الهوى

اللّه يديك . ثم قال للملاح : أصدق وانج بنفسك ، فقال له الملاح : اللّه شاهد عليك ، أني آمن على نفسي وأعضائي حتى أصدق ؟ قال له : نعم . فقال : أنا رجل ملاح أعمل في المشرعة الفلانية ، يعرفني جيراني بالستر ، كنت قد سرّحت سميريتي البارحة بعد العتمة أتفرج في القمر ، فنزل خادم من دار لا أعرفها ، فصاح : يا ملاح ، فتقدمت ، فسلم إليّ امرأة حسنة ومعها صبيتان ، وأعطاني درهما صحيحا ، وقال : احمل هؤلاء إلى باب الشماسية ، فصاعدت بهم قطعة من الطريق ، فكشفت المرأة وجهها ، فإذا هي من أحسن الناس وجها كالقمر ، فاشتهيتها فعلقت مجاديفي في الدرنوك ، وأخرجت السفينة إلى وسط دجلة ، وتقدمت إلى المرأة فراودتها عن نفسها ، فأخذت تصيح ، فقلت : واللّه لئن صحت لأغرقتك الساعة . فسكتت وأخذت تمانعني عن نفسها ، فاجتهدت بأن أقدر عليها فما قدرت ، فقلت لها : من هاتان الصبيتان منك ؟ فقالت : بناتي ، فقلت لها : أيما أحبّ إليك : تمكنيني من نفسك أو أغرق هذه ؟ وقبضت على واحدة منهما . فقالت : أما أنا فلا أطيعك فاعمل ما شئت . فرميت إحدى الصبيتين في الماء ، فصاحت ، فضربت فاها وصحت معها : واللّه لا طلقتك ولو قتلتيني . ليشتبه ذلك على من عساه يسمع الصياح في الليل ، فسكتت وأقبلت تبكي ، فتركتها ساعة ، ثم قلت لها : دعيني وإلا أغرقت الأخرى ، فقالت : واللّه لا فعلت ، فأخذت الصبية الأخرى فرميت بها إلى الماء ، فصاحت وصحت معها ، ثم قلت لها : ما بقي إلا أن أقتلك أنت ، فدعيني وإلا قتلتك ، وأخذتها ورفعت يديها لأرمي بها إلى الماء ، فقالت : أدعك . فرددتها إلى السميرية ، فمكّنتني من نفسها فوطئتها ، وسرت لأمضي بها إلى المشرعة ، فقلت : هذه الساعة تصعد إلى دارها وإلى الموضع الذي تأوي إليه ، فتنذر بي ، فأوخذ وأقتل ، وليس الوجه إلا تغريقها ، فجمعت يديها ورجليها ورميت بها في الماء فغرقت ، ففكرت فيما ارتكبته وما جنيته ، فندمت ، وكنت كرجل كان سكرانا فأفاق ، فقلت : أي شيء أعمل ؟ ليس إلا أن أنحدر في سميريتي هذه إلى البصرة وأغوص في أنهارها ، فلا