ابن الجوزي
466
كتاب ذم الهوى
ويبكي ، فتقطعت قلوبنا رحمة له ، وقلنا مظلوم ولكن ما الحيلة ! . فلما كان من الغد ركب صاحب الشرطة ، واجتمع الناس ، وجاء ليضرب أعناق القوم ، فصاح به الملاح : بوقوفك بين يدي اللّه ادع بي واسمع كلامي ، فلست من اللصوص الذين أخرجتهم وأمرت بصلبهم ، وأنا مظلوم وقد وقعت بي حيلة . فأنزله وقال : ما قصتك ؟ فشرح له حديثه على حقيقته ، فدعا بنا وقال : ما هذا الرجل ؟ فقلنا : ما نعرف ما يقول ؟ سلّمت إلينا عشرين رجلا وهؤلاء عشرون . فقال : قد أخذتم من اللص دراهم وأطلقتموه واعترضتم من الطريق رجلا غريبا فأخذتموه . فقلنا : ما فعلنا هذا ، واللص الذي سلمت إلينا هو هذا . فضرب أعناق الجماعة وترك الملاح ، وقال : هاتوا السجّانين والبوّابين . فجاؤوا ، فقال : هذا من جملة العشرين الذين أخرجناهم ؟ فتأملوه بأجمعهم ، فقالوا : لا . ففكر ثم أمر بإطلاقه ، ثم قال هاتوه إليّ ، فرددناه ، فقال : اشرح لي قصتك فأعاد عليه الحديث ، فقال له : في نصف الليل أيش كنت تعمل في ذلك الموضع ؟ فقال : كنت قد بتّ في سميريتي فأخذتني بولة فصعدت أبول . قال : ففكر ساعة ثم قال له اصدقني أمرك على الحقيقة حتى أطلقك ، وأي شيء كنت تعمل هناك ، حتى أطلقك . فلم يخبره بغير ذلك . قال : وكان من رسمه أنه إذا أراد أن يقرر إنسانا قرره وهو قائم بين يديه ، ووراءه جماعة بمقارع ، فإذا حكّ رأسه ضرب المقرّر واحدة عظيمة ، فيقول هو للذي ضربه : قطع اللّه يديك ورجليك يا فاعل يا صانع ، من أمرك بضربه ؟ ! ولم ضربته ؟ تقدم يا هذا ، لا بأس عليك ، أصدق وقد نجوت . فإن أقرّ وإلا حكّ رأسه ثانية وثالثة ، أبدا على هذا . وكذا كانت عادته في جميع الجناة ! . فلما أطال عليه الملاح ، حكّ رأسه فضرب قفاه بعض القائمين بمقرعة عظيمة ، فصاح صياحا شديدا ، فقال هو : من أمرك بهذا ؟ يا فاعل يا صانع قطع