ابن الجوزي
465
كتاب ذم الهوى
قال : كنت أعمل مع صاحب الشرطة ببغداد ، فأخرج لصوصا من الحبس ، واستأذن معزّ الدولة في قتلهم وصلبهم عند الجسر ، فأذن له ، فصلبهم عشاء ، وكانوا عشرين رجلا ووكّل بهم جماعة ، فكنت فيهم ، والرئيس علينا فلان ، وقالوا : كونوا عند خشبهم بقية يومكم وليلتكم ، حتى إذا كانوا من غد ضربت أعناقهم . فبتنا ونمنا فاحتال بعض اللصوص في أن قطع الحبل ونزل من الخشبة ، فما انتبهنا إلا بصوت وقوعه وعدوه فعدا رئيسنا وأنا خلفه ، فما لحقناه ، وخفنا أن يتشوّش الرجالة الباقون فيفلت إنسان آخر ، فرجعنا مسرعين وجلسنا مغمومين نفكر ماذا نعمل . فقال رئيسنا : إن صاحب الشرطة لا يقيل عثرة ولا يقبل عذرا ، ويقع له أنني قد أخذت من اللص مالا وأطلقته ، فيضربني للتقرير فلا أقرّ ، فيقع له أني أتجلّد فيمدّ الضرب عليّ إلى أن أتلف ، فما الرأي ؟ . فقلت له : نهرب . قال : فمن أين نعيش ؟ فقلت : هذا نصف الليل ، ولم يعلم بما جرى أحد ، فقم فلن يخلو أن يقع بأيدينا مشؤوم قد جاءت منيته ، فنوثقه ونصلبه ، ونقول : سلمت إلينا عشرين رجلا وهؤلاء عشرون ، فإنه ما أثبت حلاهم . فقال : هذا صواب . فقمنا نطوف ، وسلكنا طريق الجسر لنعبر إلى الجانب الغربي فرأينا في أسفل كرسي الجسر رجلا يبول ، فعدلنا إليه ، فقبضنا عليه فصاح يا قوم مالكم أنا ملاح صعدت من سميريتي « 1 » أبول ، وهذه سميريّتي ، وأومأ إليها ، أي شيء بيني وبينكم ؟ فضربناه وقلنا : أنت اللص الذي هرب من الخشبة . وجئنا به ورقّيناه إلى الخشبة وصلبناه مكان الهارب ، وهو يصيح طول الليل
--> ( 1 ) السميرية : السفينة الصغيرة .