ابن الجوزي
286
كتاب ذم الهوى
قال : حدثنا يعقوب بن يوسف البتّيّ ، قال : حدثنا عمر بن محمد ، عن عبد السّلام بن عبيد ، عن أعرابي ، قال : خرجت في بعض ليالي الظلمة ، فإذا أنا بجارية كأنها علم ، فأردتها على نفسها ، فقالت : ويلك ! أما لك زاجر من عقل إذا لم يكن لك ناه من دين ! . فقلت : إيها ! واللّه ما يرانا إلا الكواكب . قالت : فأين مكوكبها ! . أخبرنا ابن ناصر ، قال : أنبأنا المبارك بن عبد الجبار ، قال : أنبأنا أبو إسحاق البرمكي ، قال : أنبأنا أبو الحسن الزينبي ، قال : أنبأنا ابن المرزبان ، قال : حدثنا إسحاق بن منصور ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثنا أبو العباس التّيمي ، قال : حدثني محمد بن عبد اللّه بن يزيد ، قال : حدثتني أمي ، عن أبيها ، قال : أحببت جارية من العرب ، وكانت ذات عقل وأدب ، فما زلت أحتال في أمرها حتى اجتمعت معها في ليلة مظلمة شديدة السواد في موضع خال ، فحادثتها ساعة ، ثم دعتني نفسي إليها ، فقلت : يا هذه ، قد طال شوقي إليك . قالت : وأنا كذلك . قلت : وقد عسر اللقاء . قالت : نحن كذلك ! . قلت : هذا الليل قد ذهب والصبح قد قرب . قالت : هكذا تفنى الشهوات وتنقطع اللذات . قلت لها : لو أدنيتني منك . قالت : هيهات هيهات ! إني أخاف العقوبة من اللّه . قلت لها : فما الذي دعاك إلى الحضور معي في هذا المكان . قالت : شقوتي وبلائي . قلت : فمتى أراك ؟ . قالت : ما أراني أنساك ، فأما الاجتماع معك فلا أراه يكون . ثم تولّت من بين يدي ، فاستحييت مما سمعت منها ، فرجعت وقد خرج من قلبي ما كنت أجد من حبها . ثم أنشأت أقول : توقّت عذابا لا يطاق انتقامه * ولم تأت ما تخشى به أن تعذّبا وقالت مقالا كدت من شدة الحيا * أهيم على وجهي حيا وتعجّبا ألا أفّ للحب الذي يورث العمى * ويورد نارا لا تملّ التوثّبا فأقبل عودي فوق بدئي مفكّرا * وقد زال عن قلبي العمى فتسرّبا