ابن الجوزي
275
كتاب ذم الهوى
قال : علق أعرابيّ امرأة ، فطال به وبها الأمر ، فلما التقيا وتمكّن منها : صار بين شعبتيها ذكر الدار الآخرة ، وجاءته العصمة ، فقال : واللّه إنّ امرءا باع جنة عرضها السماوات والأرض ، بفتر بين رجليك ، لقليل البصر بالمساحة ! . قال ابن المرزبان : وحدثني محمد بن محمد الهروي ، قال : حدثني محمد بن الحسين قال : حدثني الحكيم بن نصر ، قال : حدثني محمد بن عبد الرحمن ، قال : سمعت جعفر بن عون يقول : سمعت شيخا من مزينة يحدث عن أبيه ، قال : هويت جارية من العرب ، ذات جمال وكمال ، وأنا إذ ذاك لا أورّع عن شيء أريده ، فمكثت حينا أرسل إليها وترسل إليّ ، فلما تطاولت الأيام أرسلت إليها أنه ليس شيء أبلغ من الاجتماع ، فأرسلت إليّ الموعد ، فقلت : ليلة كذا في موضع كذا وكذا . فلما كانت الليلة خرجت وخرجت ، فالتقينا ، وجلست أشكو إليها . فبينا نحن كذلك وقف شيخ علينا ، فسلّم فرددت السّلام ، فقال : ما جلوسك هاهنا ؟ قلت : حاجة لي . فقال : ومن هذه المرأة ؟ قلت : بعض أهلي . قال : سبحان اللّه ، تخرجها في مثل هذا الوقت ؟ ! قلت : حاجة عرضت ، فقال لي : يا هذا إن اللّه تعالى قال في محكم كتابه العزيز : أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ ( 21 ) [ الجاثية ] وتلا الآية ، فإياك يا هذا أن تكون للسيئات مجترحا ، فإنّ اللّه مسائل كلّ نفس عمّا عملت ، فإياك لا يفضحك عند السؤال ، إذ لا عذر لك . ثم قال : قوما ، بارك اللّه فيكما . فقمنا ، وما أقدر أن أخطو من الحياء منه ، وشدة هيبته ، فلما توليت قال : انظر ما أوصيتك به ، فإنه معك ، وهو يراك حيث كنت . ثم مضى ، فسمعته يقول : اللهم اعصمهما حتى لا يعصياك ، وكأنما فرغ من قلبي ما كنت أجد ، فأتيت وعزمت على هجرها ، فأتاني رسولها بالسلام . فقلت له : لا تعد إليّ بعد اليوم . فلما بلّغها الرسول ذلك كتبت إليّ هذا الشعر : إني توهمت أمرا لا أحقّقه * وربما كان بعض الظن تغريرا