ابن الجوزي

242

كتاب ذم الهوى

قال : فما برحت من مجلسي حتى إذا أنا براكب يزول مع السراب ، فقالت : ترى حيث ذاك الراكب ؟ إنّي أحسبه إياه . قال : وأقبل الراكب يؤمّنا حتى أناخ قريبا من الخيمة ، فإذا هو نصيب ، ثم ثنى رجله عن راحلته فنزل ، ثم أقبل فسلّم عليّ وجلس منها ناحية وسلم عليها وساءلها وساءلته ، فأخفيا ، ثم إنها سألته أن ينشدها ما أحدث من الشعر بعدها ، فجعل ينشدها . فقلت في نفسي : عاشقان أطالا التنائي ، لا بدّ أن يكون لأحدهما إلى صاحبه حاجة ، فقمت إلى راحلتي أشدّ عليها ، فقال لي : على رسلك ، أنا معك . فجلست حتى نهض ونهضت معه ، فتسايرنا ساعة ثم التفت فقال : قلت في نفسك : محبّان التقيا بعد طول تناء ، لابد من أن يكون لأحدهما إلى صاحبه حاجة ؟ قلت : نعم قد كان ذلك ، قال : فلا وربّ هذا البنيّة التي نعمد ، ما جلست منها مجلسا قط أقرب من مجلسي الذي رأيت ، ولا كان بيننا مكروه قط . أخبرنا محمد بن عبد الباقي ، قال : أنبأنا حمد بن أحمد ، قال : أنبأنا أبو نعيم أحمد بن عبد اللّه ، قال : أخبرنا أبو أحمد محمد بن أحمد الجرجاني ، قال : حدثنا زكريا السّاجي ، قال : حدثنا عباس الباكسّائي ، قال : حدثنا محمد بن يوسف الفريابي ، عن سفيان الثوري ، عن هشام ، عن محمد بن سيرين ، قال : كانوا يعشقون من غير ريبة . وروي عن الحارث بن خالد بن العاص بن هشام المخزومي ، أنه كان عاشقا لعائشة بنت طلحة ، وله فيها أشعار يطول ذكرها ، أفرد لها ابن المرزبان كتابا ، فلما قتل عنها مصعب بن الزبير قيل للحارث : ما يمنعك الآن منها ؟ فقال : واللّه لا يتحدث رجالات قريش أنّ تشبيبي كان لريبة أو لشيء من الباطل . أخبرنا محمد بن ناصر ، قال : أنبأنا عبد القادر بن محمد ، قال : أنبأنا