ابن الجوزي
24
كتاب ذم الهوى
فأما العاقل فإنه ينهى نفسه عن لذة تعقب ألما ، وشهوة تورث ندما ، وكفى بهذا القدر مدحا للعقل وذما للهوى . ألا ترى أنّ الطفل يؤثر ما يهوى وإن أدّاه إلى التلف ! فيفضل العاقل عليه بمنع نفسه من ذلك ، وقد يقع التساوي بينهما في الميل بالهوى . وبهذا القدر فضّل الآدميّ على البهائم - أعني ملكة الإرادة - لأن البهائم واقفة مع طباعها ، لا نظر لها إلى عاقبة ، ولا فكر في مآل ، فهي تتناول ما يدعوها إليه الطبع من الغذاء إذا حضر ، وتفعل ما تحتاج إليه من الروث والبول أيّ وقت اتفق ، والآدمي يمتنع عن ذلك بقهر عقله لطبعه . وإذا عرف العاقل أنّ الهوى يصير غالبا ، وجب عليه أن يرفع كل حادثة إلى حاكم العقل ، فإنه سيشير عليه بالنظر في المصالح الآجلة ، ويأمره عند وقوع الشبهة باستعمال الأحوط في كف الهوى ، إلى أن يتيقن السلامة من الشر في العاقبة . وينبغي للعاقل أن يتمرن على دفع الهوى المأمون العواقب ليستمر بذلك على ترك ما تؤذي غايته . وليعلم العاقل أنّ مدمني الشهوات يصيرون إلى حالة لا يلتذونها ، وهم مع ذلك لا يستطيعون تركها ، لأنها قد صارت عندهم كالعيش الاضطراريّ ، ولهذا ترى مدمن الخمر والجماع لا يلتذّ بذلك عشر التذاذ من لم يدمن ، غير أن العادة تقتضيه ذلك ، فيلقي نفسه في المهالك لنيل ما يقتضيه تعوّده . ولو زال رين الهوى عن بصر بصيرته ، لرأى أنه قد شقي من حيث قدّر السّعادة ، واغتمّ من حيث ظن الفرح وألم من حيث أراد اللذة . فهو كالحيوان المخدوع بحبّ الفخّ ، لا هو نال ما خدع به ، ولا أطاق التخلص مما وقع فيه . فإن قال قائل : فكيف يتخلص من هذا من قد نشب فيه ؟ قيل له : بالعزم القويّ في هجران ما يؤذي ، والتدرج في ترك ما لا يؤمن أذاه ، وهذا يفتقر إلى