ابن الجوزي
25
كتاب ذم الهوى
صبر ومجاهدة يهوّنهما سبعة أشياء : أحدها : التفكر في أن الإنسان لم يخلق للهوى ، وإنما هيّىء للنظر في العواقب والعمل للآجل ، ويدل على هذا أنّ البهيمة تصيب من لذة المطعم والمشرب والمنكح ما لا يناله الإنسان ، مع عيش هنيّ خال عن فكر وهمّ . ولهذا تساق إلى منحرها وهي منهمكة على شهواتها ، لفقدان العلم بالعواقب . والآدمي لا ينال ما تناله لقوّة الفكر الشاغل ، والهمّ الواغل ، وضعف الآلة المستعملة . فلو كان نيل المشتهى فضيلة لما بخس حظ الآدمي الشريف منه ، وزيد حظ البهائم . وفي توفير حظ الآدمي من العقل وبخس حظه من الهوى ، ما يكفي في فضل هذا وذمّ ذلك . والثاني : أن يفكر في عواقب الهوى . فكم قد أفات من فضيلة ، وكم قد أوقع في رذيلة ، وكم من مطعم قد أوقع في مرض ، وكم من زلّة أوجبت انكسار جاه وقبح ذكر مع إثم ! . غير أنّ صاحب الهوى لا يرى إلا الهوى ! . فأقرب الأشياء شبها به من في المدبغة ، فإنه لا يجد ريحها حتى يخرج فيعلم أين كان . والثالث : أن يتصور العاقل انقضاء غرضه من هواه ، ثم يتصور الأذى الحاصل عقيب اللذة ، فإنه يراه يربي على الهوى أضعافا . وقد أنشد بعض الحكماء : وأفضل الناس من لم يرتكب سببا * حتى يميّز ما تجني عواقبه والرابع : أن يتصور ذلك في حقّ غيره ، ثم يتلمّح عاقبته بفكره . فإنه سيرى ما يعلم به عيبه إذا وقف في ذلك المقام . والخامس : أن يتفكّر فيما يطلبه من اللذات ، فإنه سيخبره العقل أنه ليس بشيء