ابن الجوزي
23
كتاب ذم الهوى
الباب الثاني في ذم الهوى والشهوات اعلم أنّ الهوى ميل الطبع إلى ما يلائمه ، وهذا الميل قد خلق في الإنسان لضرورة بقائه ، فإنه لولا ميله إلى المطعم ما أكل ، وإلى الشرب ما شرب ، وإلى المنكح ما نكح ، وكذلك كلّ ما يشتهيه ، فالهوى مستجلب له ما يفيد ، كما أنّ الغضب دافع عنه ما يؤذي ، فلا يصلح ذمّ الهوى على الإطلاق ، وإنما يذمّ المفرط من ذلك وهو ما يزيد على جلب المصالح ودفع المضار . ولما كان الغالب من موافق الهوى أنه لا يقف منه على حدّ المنتفع ، أطلق ذمّ الهوى والشهوات ، لعموم غلبة الضرر ، لأنه يبعد أن يفهم المقصود من وضع الهوى في النفس ، وإذا فهم تعذّر وجود العمل به وندر ، مثاله : أنّ شهوة المطعم إنما خلقت لاجتلاب الغذاء ، فيندر من يتناول بمقتضى مصلحته ولا يتعدى ، فإن وجد ذلك انغمر ذكر الهوى في حق هذا الشخص ، وصار مستعملا للمصالح ، وأما الأغلب من الناس فإنهم يوافقون الهوى ، فإن حصلت مصلحة حصلت ضمنا وتبعا ، فلما كان هذا هو الغالب ذكرت في هذا الباب ذم الهوى والشهوات مطلقا ، ووسمت كتابي ب « ذم الهوى » لذلك المعنى . وقد روي عن ابن عباس أنه قال : ما ذكر اللّه عزّ وجل الهوى في موضع من كتابه إلا ذمه . وقال الشعبي : إنما سمي هوى ، لأنه يهوي بصاحبه . فصل : اعلم أنّ مطلق الهوى يدعو إلى اللذة الحاضرة من غير فكر في عاقبة ، ويحثّ على نيل الشهوات عاجلا ، وإن كانت سببا للألم والأذى في العاجل ومنع لذّات الآجل .