ابن الجوزي
157
كتاب ذم الهوى
الباب التاسع عشر في معالجة الهم والفكر المتولد عن النظر اعلم وفّقك اللّه ، أنك إذا امتثلت المأمور به ، من غضّ البصر عند أول نظرة ، سلمت من آفات لا تحصى ، فإذا كرّرت النظر لم تأمن أن يزرع في قلبك زرعا يصعب قلعه ، فإن كان قد حصل ذلك فعلاجه الحمية بالغضّ فيما بعد ، وقطع مراد الفكر بسدّ باب النظر ، فحينئذ يسهل علاج الحاصل في القلب ، لأنه إذا اجتمع سيل فسدّ مجراه ، سهل نزف الحاصل ، ولا علاج للحاصل في القلب أقوى من قطع أسبابه ، ثم زجر الاهتمام به خوفا من عقوبة اللّه عز وجل ، فمتى شرعت في استعمال هذا الدواء رجي لك قرب السلامة ، وإن ساكنت الهمّ ترقى إلى درجة العزم ، ثم حرّك الجوارح . أخبرنا محمد بن ناصر ، قال : أنبأنا أبو بكر بن خلف ، قال : أنبأنا محمد بن الحسين ، قال : سمعت محمد بن أحمد النّسوي يقول : سمعت علي بن إبراهيم يقول : سمعت إبراهيم بن المولد يقول : سمعت محمد بن أحمد الرافقي يقول : سمعت علي بن الحسين التميمي يقول : سمعت أبا تراب النّخشبيّ يقول : احفظ همّك ، فإنه مقدمة الأشياء ، فمن صحّ له همّه صحّ له ما بعد ذلك من أفعاله وأحواله . أنبأنا أحمد بن أحمد المتوكلي ، قال : أنبأنا أحمد بن علي بن ثابت ، قال : أنبأنا محمد بن موسى الصيرفي ، قال : حدثنا محمد بن عبد اللّه الأصبهاني ، قال : حدثنا أبو بكر القرشي ، قال : قيل لبعض الحكماء : ما سبب الذنب ؟ قال : الخطرة ، فإن تداركت الخطرة بالرجوع إلى اللّه ذهبت ، وإن لم تفعل تولّدت عنها الفكرة ، فإن تداركتها بالرجوع إلى اللّه بطلت ، وإلا فعند ذلك تخالط الوسوسة الفكرة ، فتولّد عنها الشهوة ، وكل ذلك بعد باطن في القلب لم يظهر على