ابن الجوزي
156
كتاب ذم الهوى
قلت : وكيف علمت ذاك ؟ قال : بغضّ طرفي له عن كلّ محرّم ، واجتنابي فيه كلّ منكر ومأثم ، وقد سألته أن يجعل جنتي النظر إليه . ثم صاح وأقبل يسعى ، حتى غاب عن بصري . فتفهّم يا أخي ما أوصيك به ، إنما بصرك نعمة من اللّه عليك ، فلا تعصه بنعمه ، وعامله بغضّه عن الحرام تربح ، واحذر أن تكون العقوبة سلب تلك النعمة ، وكلّ زمن الجهاد في الغضّ لحظة ، فإن فعلت نلت الخير الجزيل ، وسلمت من الشرّ الطويل ، ألم تسمع قول القائل : إني إذا ذلّ الحريص عززت في ظل القناعه * وأقول للنفس اطمئني فالشجاعة صبر ساعة وقال الآخر : ليس الشجاع الذي يحمي مطيّته * يوم النّزال ونار الحرب تشتعل لكن فتى غضّ طرفا أو ثنى بصرا * عن الحرام فذاك الفارس البطل وقال الآخر : صبرت عن اللذات حتى تولّت * وألزمت نفسي صبرها فاستمرّت وكانت على الأيام نفسي عزيزة * فلما رأت صبري على الذل ذلّت وما النفس إلا حيث يجعلها الفتى * فإن أطمعت تاقت وإلا تسلّت