ابن الجوزي

15

كتاب ذم الهوى

الباب الأول في ذكر العقل ، وفضله ، وذكر ماهيته اختلف الناس في ماهية العقل اختلافا كبيرا . فقال قوم : هو ضرب من العلوم الضرورية . وقال آخرون : هو غريزة يتأتّى معها درك العلوم . وقال آخرون : هو قوة يفضّل بها بين حقائق المعلومات . وقال آخرون : هو جوهر بسيط : وقال قوم : هو جسم شفاف . وقال الحارث المحاسبي : هو نور . وبهذا قال أبو الحسن التميمي من أصحابنا ، وروى إبراهيم الحربي عن أحمد أنه قال : العقل غريزة ، وقد روى المحاسبيّ أيضا مثله . والتحقيق في هذا أن يقال : العقل غريزة ، كأنها نور يقذف في القلب ، فيستعدّ لإدراك الأشياء ، فيعلم جواز الجائزات ، واستحالة المستحيلات ، ويتلمّح عواقب الأمور . وذلك النور يقلّ ويكثر ، وإذا قوي ذلك النور قمع ، بملاحظة العواقب ، عاجل الهوى . ذكر محل العقل : أكثر أصحابنا يقولون محلّه القلب ، وهو مرويّ عن الشافعي رضي اللّه عنه ودليلهم قوله تعالى فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها ( 46 ) [ الحج ] . وقوله : إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ ( 37 ) [ ق ] قالوا : المراد ، لمن كان له عقل ، فعبر بالقلب عن العقل ، لأنه محله . ونقل الفضل بن زياد عن أحمد رضي اللّه عنه ، أنّ محلّه الدماغ . وهو اختيار أصحاب أبي حنيفة رضي اللّه عنه .