ابن الجوزي

95

صيد الخاطر

تتحرك همتها في طلب العزلة ، والاقبال على معاملة اللّه تعالى . فقلت لها يوما ، وقد كلمتني في ذلك : حدثيني ما مقصودك ؟ وما نهاية مطلوبك ؟ أتراك تريدين مني أن أسكن قفرا لا أنيس به فتفوتني صلاة الجماعة . ويضيع مني ما قد علمته لفقد من أعلّمه ، وأن آكل الجشب « 1 » الذي لم أتعوده ، فيقع نضوى طلحا « 2 » في يومين . وأن ألبس الخشن الذي لا أطيقه . فلا أدري من كرب محمولي أين أنا ؟ وأن أتشاغل عن طلب ذرية تتعبد بعدي مع بقاء القدرة على الطلب باللّه ! ما نفعني العلم الذي بذلت فيه عمري إن وافقتك ؟ . وأنا أعرفك غلط ما وقع لك بالعلم . اعلمي أن البدن مطية ، والمطية إذا لم يرفق بها لم تصل براكبها إلى المنزل ، وليس مرادي بالرفق الاكثار من الشهوات ، وانما أعني أخذ البلغة الصالحة للبدن ، فحينئذ يصفو الفكر ، ويصح العقل ، ويقوى الذهن ألا ترى إلى تأثير المعوقات عن صفاء الذهن في قوله عليه الصلاة والسلام : « لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان » ، وقاس العلماء على ذلك الجوع وما يجري مجراه من كونه حاقنا أو حاقبا « 3 » . وهل الطبع الا ككلب يشغل الآكل ، فإذا رمى له ما يتشاغل به طاب له الأكل . فأما الانفراد والعزلة فعن الشر لا عن الخير ، ولو كان فيها لك وقع خير لنقل عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وعن أصحابه رضي اللّه عنهم . هيهات لقد عرفت أن أقواما دام بهم التقلل واليبس إلى أن تغير فكرهم وقوي الخلط السوداوي عليهم ، فاستوحشوا من الناس . ومنهم من اجتمعت له من المآكل الردّية أخلاط مجّة ، فبقي اليوم واليومين والثلاثة لا يأكل وهو يظن ذلك من امداد اللطف ، وإذا به من سوء الهضم . وفيهم من ترقى به الخلط إلى رؤية الأشباح فيظنها الملائكة ، فاللّه اللّه في العلم واللّه الله في العقل ، فان نور العقل لا ينبغي أن يتعرض بإطفائه ، والعلم لا يجوز الميل إلى تنقيصه ، فإذا حفظا حفظا وظائف الزمان ودفعا ما يؤذي ، وجلبا ما يصلح ، وصارت القوانين مستقيمة في المطعم والمشرب والمخالطة .

--> ( 1 ) أي الخلط من الطعام . ( 2 ) طلح البعير فهو طلح أي أعيا وتعب والنضو المهزول . ( 3 ) الحاقن بالبول والحاقب بالغائط .