ابن الجوزي
96
صيد الخاطر
فقالت لي النفس : فوظف لي وظيفة واحسبني مريضا قد كتبت له شربة . فقلت لها قد دللتك على العلم وهو طبيب ملازم ، يصف كل لحظة لكل داء يعرض ، دواء يلائم . وفي الجملة ينبغي لك ملازمة تقوى اللّه عز وجل في المنطق والنظر ، وجميع الجوارح ، وتحقق الحلال في المطعم ، وايداع كل لحظة ما يصلح لها من الخير ، ومناهبة الزمان في الأفضل ومجانبة ما يؤدي إلى ما يؤذي من نقص ربح أو وقوع خسران ولا تعملي عملا إلا بعد تقديم النية ، وتأهبي لمزعج الموت فكأن قد « 1 » ؛ وما عندك من مجيئه في أي وقت يكون ، ولا تتعرضي لمصالح البدن ، بل وفريها عليه وناوليه إياها على قانون الصواب لا على مقتضى الهوى ، فان اصلاح البدن سبب لاصلاح الدين . ودعي الرعونة التي يدل عليها الجهل لا العلم ، من قول النفس : فلان يأكل الخل والبقل ، وفلان لا ينام الليل ، فاحملي ما تطيقين « 2 » . وما قد علمت قوة البدن عليه فان البهيمة إذا أقبلت إلى نهر أو ساقية فضربت لتقفز لم تفعل حتى تزن نفسها فان علمت فيها قوة الطّفر « 3 » طفرت ، وان علمت أنها لا تطيق لم تفعل ولو قتلت . وليس كل الأبدان تتساوى في الإطاقة ولقد حمل أقوام من المجاهدات في بداياتهم أشياء أوجبت أمراضا قطعتهم عن خير ، وتسخطت قلوبهم بوقوعها ، فعليك بالعلم فإنه شفاء من كل داء واللّه الموفق . 49 - الرد على المشبهة عجبت من أقوام يدعون العلم ، ويميلون إلى التشبيه بحملهم الأحاديث على ظواهرها ، فلو أنهم أمرّوها كما جاءت سلموا . لأن من أمرّ ما جاء من غير اعتراض ولا تعرض ، فما قال شيئا لا له ولا عليه ، ولكنّ أقواما قصرت علومهم ، فرأت أن حمل الكلام على غير ظاهره نوع تعطيل ، ولو فهموا سعة اللغة لم يظنوا هذا . وما هم الا بمثابة قول الحجاج لكاتبه وقد مدحته الخنساء فقالت : إذا هبط الحجاج أرضا مريضة * تتبع أقصى دائها فشفاها شفاها من الداء العضال الذي بها * غلام إذا هز القناة شفاها
--> ( 1 ) أي فكأنه قد جاء . ( 2 ) هذا هو الحق لا ما جر اليه القلم في الفصل « 40 » . ( 3 ) أي الوثب .