ابن الجوزي

94

صيد الخاطر

وهذا أعجب مصايد إبليس يصيد بها العلماء ، يتأولون لعواقب المصالح ، فيستعجلون ضرر المفاسد . مثاله أن يقول للعالم ادخل على هذا الظالم فاشفع في مظلوم ، فيستعجل الداخل رؤية المنكرات ، ويتزلزل دينه . وربما وقع في شرك صار به أظلم من ذلك الظالم ، فمن لم يتق بدينه فليحذر من المصائد ، فإنها خفية . وأسلم ما للجبان العزلة ، خصوصا في زمان قد مات فيه المعروف ، وعاش المنكر ، ولم يبق لأهل العلم وقع عند الولاة ، فمن داخلهم دخل معهم فيما لا يجوز ، ولم يقدر على جذبهم مما هم فيه . ثم من تأمل العلماء الذين يعملون لهم في الولايات يراهم منسلخين من نفع العلم قد صاروا كالشرط . فليس الا العزلة عن الخلق ، والاعراض عن كل تأويل فاسد في المخالطة ، ولأن أنفع نفسي وحدي ، خير لي من أن أنفع غيري وأتضرر ، فالحذر الحذر من خوادع التأويلات ، وفواسد الفتاوى ، والصبر الصبر على ما توجبه العزلة « 1 » فإنه إن انفردت بمولاك فتح لك باب معرفته . فهان كل صعب ، وطاب كل مر ، وتيسر كل عسر ، وحصلت كل مطلوب ، واللّه الموفق بفضله ولا حول ولا قوة إلا به . 47 - في الورع تأملت على نفسي تأويلا في مباح أنال به شيئا من الدنيا إلا أنه في باب الورع كدر ، فرأيته أولا قد احتلب درّ الدين فذهبت حلاوة المعاملة للّه تعالى ، ثم عاد فقلص ضرع حلبي له فوقع الفقد للحالين ، فقلت لنفسي : ما مثلك إلا كمثل وال ظالم جمع من غير حله ، فصودر ، فأخذ منه الذي جمع وألزم ما لم يجمع . فالحذر الحذر من فساد التأويل ، فان اللّه تعالى لا يخادع ، ولا ينال ما عنده بمعصيته . 48 - من حديث النفس رأيت نفسي كلما صفا فكرها ، أو اتعظت بدارج ، أو زارت قبور الصالحين ،

--> ( 1 ) الحق في أمر العزلة ما جاء في الاحياء وما ذكره المؤلف في الكتاب الذي اختصره فيه وهو « منهاج القاصدين » وقد تكون العزلة مطلوبة لناس دون ناس وفي زمان دون زمان وانظر الفصل « 24 » و « 48 » و « 82 » و « 91 » من هذا الكتاب .