ابن الجوزي
84
صيد الخاطر
وجهين ، أحدهما : أنه رب مانع لها شهوة ، أعطاها بالمنع أوفى منها ، مثل أن يمنعها مباحا فيشتهر بمنعه إياها ذلك فيرضي النفس بالمنع لأنها قد استبدلت به المدح ، وأخفى من ذلك أن يرى ( بمنعه إياها ما منع ) أنه قد فضل سواه ممن لم يمنعها ذلك ، وهذه دفائن تحتاج إلى منقاش « 1 » فهم يخلصها . والوجه الثاني : أننا قد كلفنا حفظها ومن أسباب حفظها مبلها إلى الأشياء التي تقيمها ، فلا بد من اعطائها ما يقيمها ، وأكثر ذلك أو كله ما تشتهيه ، ونحن كالوكلاء في حفظها . لأنها ليست لنا بل هي وديعة عندنا ، فمنعها حقوقها على الاطلاق خطر . ثم رب شدّ أوجب استرخاء ، ورب مضيّق على نفسه فرّت منه فصعب عليه تلافيها ، وإنما الجهاد لها كجهاد المريض العاقل ، يحملها على مكروهها في تناول ما ترجو به العافية ، ويذوب في المرارة قليلا من الحلاوة ، ويتناول من الأغذية مقدار ما يصفه الطبيب . ولا تحمله شهوته على موافقة غرضها من مطعم ربما جرّ جوعا ، ومن لقمة ربما حرمت لقمات ، فكذلك المؤمن العاقل لا يترك لجامها ، ولا يهمل مقودها ، بل يرخي لها في وقت والطول « 2 » بيده ، فما دامت على الجادة لم يضايقها في التضييق عليها ، فإذا رآها قد مالت ردها باللطف ، فان ونت وأبت فبالعنف ، ويحبسها في مقام المداراة ، كالزوجة التي مبني عقلها على الضعف والقلة ، فهي تدارى عند نشوزها بالوعظ ، فإن لم تصلح فبالهجر ، فإن لم تستقم فبالضرب . وليس في سياط التأديب أجود من سوط عزم . هذه مجاهدة من حيث العمل ، فأما من حيث وعظها وتأنيبها ، فيبغي لمن رآها تسكن للخلق ، وتتعرض بالدناءة من الأخلاق أن يعرفها تعظيم خالقها لها فيقول : ألست التي قال فيك : خلقتك بيدي ، وأسجدت لك ملائكتي ، وارتضاك للخلافة في أرضه ، وراسلك ، واقترض منك « 3 » واشترى « 4 » ؟ فان رآها تتكبر ، قال لها : هل أنت إلا قطرة من ماء مهين ، تقتلك شرقة ، وتؤلمك بقّة . وإن رأى تقصيرها عرفها حق الموالي على العبيد ، وإن ونت في
--> ( 1 ) أي ملقط دقيق . ( 2 ) الطول الزمام قال لبيد ، ( كالطول المرخى وثنياه في اليد ) . ( 3 ) إشارة إلى من يقرض اللّه قرضا حسنا . ( 4 ) ان اللّه اشترى من المؤمنين - الآية .