ابن الجوزي
85
صيد الخاطر
العمل ، حدثها بجزيل الأجر . وإن مالت إلى الهوى ، خوفها عظيم الوزر . ثم يحذرها عاجل العقوبة الحسية ، كقوله تعالى : « قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ » . والمعنوية كقوله تعالى : « سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ » فهذا جهاد بالقول ، وذاك جهاد بالفعل . 38 - في الدعاء رأيت من البلاء أن المؤمن يدعو فلا يجاب ، فيكرر الدعاء وتطول المدة فلا يرى أثرا للإجابة ، فينبغي له أن يعلم أن هذا من البلاء الذي يحتاج إلى الصبر ، وما يعرض للنفس من الوسواس في تأخير الجواب مرض يحتاج إلى طب ، ولقد عرض لي شيء من هذا الجنس ، فإنه نزلت بي نازلة ، فدعوت وبالغت ، فلم أر الإجابة ، فأخذ إبليس يجول في حلبات كيده ، فتارة يقول : الكرم واسع والبخل معدوم ، فما فائدة تأخير الجواب ؟ فقلت له : اخسأ يا لعين ، فما أحتاج إلى تقاض ، ولا أرضاك وكيلا . ثم عدت إلى نفسي فقلت : إياك ومساكنة وسوسته ، فإنه لو لم يكن في تأخير الإجابة إلا أن يبلوك المقدر في محاربة العدو لكفى في الحكمة . قالت : فسلّني عن تأخير الإجابة في مثل هذه النازلة . فقلت : قد ثبت بالبرهان أن اللّه عز وجل مالك ، وللمالك التصرف بالمنع والعطاء ، فلا وجه للاعتراض عليه . والثاني : أنه قد ثبتت حكمته بالأدلة القاطعة ، فربما رأيت الشيء مصلحة والحكمة لا تقتضيه ، وقد يخفى في الحكمة فيما يفعله الطبيب ، من أشياء تؤذي في الظاهر يقصد بها المصلحة ، فلعل هذا من ذاك . والثالث : أنه قد يكون التأخير مصلحة ، والاستعجال مضرة ، وقد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل ، يقول : دعوت فلم يستجب لي » . والرابع : أنه قد يكون امتناع الإجابة لآفة فيك فربما يكون في مأكولك شبهة ، أو قلبك وقت الدعاء في غفلة ، أو تزاد عقوبتك في منع حاجتك لذنب ما صدقت في التوبة منه ، فابحثي عن بعض هذه الأسباب لعلك تقعين بالمقصود ، كما روي عن أبي يزيد رضي اللّه عنه : أنه نزل بعض الأعاجم في داره ، فجاء فرآه ،