ابن الجوزي

83

صيد الخاطر

أحوال النفس ، ووهن الجسم ، واختلاف السقم ، الذي تتداعى به الجملة ، مثل أن يمنعها الماء عند اشتداد العطش ، والغذاء عند الجوع ، والجماع عند قوة الشهوة ، والنوم عند غلبته ، حتى أن المغتمّ إذا لم يتروح بالشكوى قتله الكمد . فهذا أصل إذا فهمه هذا الزاهد علم أنه قد خالف طريق الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، من حيث النقل ، وخالف الموضوع في الحكمة ، ولا يلزم على هذا قول القائل : فمن أين يصفو المطعم ؟ لأنه إذا لم يصف كان الترك ورعا ، وإنما الكلام في المطعم الذي ليس فيه ما يؤذي في باب الورع ، وكان ما شرحته جوابا للقائل : ما أبلغ نفسي شهوة على الاطلاق . والوجه الثاني : اني أخاف على الزاهد أن تكون شهوته انقلبت إلى الترك فصار يشتهي أن لا يتناول ، وللنفس في هذا مكر خفي ، ورياء دقيق ، فان سلمت من الرياء للخلق ، كانت الآفة من جهة تعلقها بمثل هذا الفعل ، وإدلالها في الباطن به ، فهذه مخاطرة وغلط ، وربما قال بعض الجهال : هذا صدّ عن الخير والزهد . وليس كذلك ، فان الحديث قد صح عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد » ، ولا ينبغي أن يغتر بعبادة جريج ، ولا بتقوى ذي الخويصرة ، ولقد دخل المتزهدون في طرق لم يسلكها الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، ولا أصحابه ، من إظهار التخشع الزائد في الحد ، والتنوّق في تخشين الملبس ، وأشياء صار العوام يستحسنونها ، وصارت لأقوام كالمعاش يجتنون من أرباحها تقبيل اليد ، وتوفير التوقير ، وحراسة الناموس ، وأكثرهم في خلوته على غير حالته في جلوته ، وقد كان ابن سيرين يضحك بين الناس قهقهة ، وإذا خلأ بالليل فكأنه قتل أهل القرية . فنسأل اللّه تعالى علما نافعا فهو الأصل ، فمتى حصل أوجب معرفة المعبود عز وجل ، وحرك إلى خدمته بمقتضى ما شرعه وأحبه ، وسلك بصاحبه طريق الاخلاص ، وأصل الأصول العلم ، وأنفع العلوم النظر في سير الرسول صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه . « أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ » . 37 - جهاد النفس تأملت جهاد النفس فرأيته أعظم جهاد ، ورأيت خلقا من العلماء والزهاد لا يفهمون معناه ، لأن فيهم من منعها حظوظها على الاطلاق ، وذلك غلط من