ابن الجوزي

80

صيد الخاطر

وهذا أمر قبيح بمن يقدر على المعاش ، وإن لم يقدر كان إخراج ما يملك أقبح ، لأنه يتعلق قلبه بما في أيدي الناس ، وربما ذل لبعضهم ، أو تزين له بالزهد . وأقلّ أحواله أن يزاحم الفقراء والمكافيف والزّمنى « 1 » في الزكاة . فعليك بالشرب « 2 » الأول ، فانظر هل فيهم من فعل ما يفعله جهلة المتزهدين . وقد أشرت في أول هذا إلى أنهم كسبوا وخلفوا الأموال ، فرد المشرب الأول الذي لم يطرق فإنه صافي ، واحذر من المشارب المطروقة بالآراء الفاسدة الخارجة في المعنى كالكمين على الشريعة ، مذعنة بلسان حالها أن الشرع ناقص يحتاج إلى ما يتمم به . واعلم وفقك اللّه تعالى أن البدن كالمطية ، ولا بد من علف المطية ، والاهتمام بها . فإذا أهملت ذلك كان سببا لوقوفك عن السير . وقد رئي سلمان رضي اللّه عنه يحمل طعاما على عاتقه فقيل له : أتفعل هذا وأنت صاحب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؟ فقال : ان النفس إذا أحرزت قوتها اطمأنت . وقال سفيان الثوري : إذا حصلت قوت شهر فتعبد . وقد جاء أقوام ليس عندهم سوى الدعاوى فقالوا : هذا شك في الرّازق والثقة به أولى . فإياك وإياهم . وربما ورد مثل هذا عن بعض صدور الزهاد من السلف فلا يعول عليه ، ولا يهولنك خلافهم . فقد قال أبو بكر المروزي : سمعت أحمد بن حنبل يرغب في النكاح ، فقلت له : قال ابن أدهم فما تركني أتمم حتى صاح علي وقال : أذكر لك حال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، وتأتيني ببنيات الطريق « 3 » . واعلم وفقك اللّه ، انه لو رفض الأسباب شخص يدعي التزهد وقال : لا آكل ولا أشرب ، ولا أقوم من الشمس في الحر ، ولا أستدفئ من البرد ، كان عاصيا بالاجماع . وكذلك لو قال وله عائلة : لا أكتسب ورزقهم على اللّه تعالى ، فأصابهم أذى كان آثما . كما قال عليه الصلاة والسلام : « كفى بالمرء إثما أن يضيع من

--> ( 1 ) أصحاب الأمراض المزمنة . ( 2 ) جمع شارب مثل ركب جمع راكب والمراد السلف . ( 3 ) تقدم في الفصل 19 وبنيات الطريق ، الأزقة المتفرعة عن الجادة العامة والمثال مقتبس من الحديث المشهور .