ابن الجوزي
81
صيد الخاطر
يقوت » . واعلم أن الاهتمام بالكسب يجمع الهم ، ويفرغ القلب ، ويقطع الطمع في الخلق ، فان الطبع له حق يتقاضاه . وقد بين الشرع ذلك فقال : « إن لنفسك عليك حقا ، وإن لعينك عليك حقا » . ومثال الطبع مع المريد السالك ، كمثل كلب لا يعرف الطارق ، فكل من رآه يمشي نبح عليه ، فان ألقى اليه كسرة سكت عنه . فالمراد من الاهتمام بذلك جمع الهم لا غير فافهم هذه الأصول فان فهمها مهم . 35 - الشهوات مصايد تأملت في شهوات الدنيا فرأيتها مصايد هلاك ، وفخوخ تلف ، فمن قوي عقله على طبعه وحكم عليه يسلم ، ومن غلب طبعه فيا سرعة هلكته . ولقد رأيت بعض أبناء الدنيا كان يتوق إلى التسرّي ، ثم يستعمل الحرارات المهيجة للباه ، فما لبث أن انحلت حرارته الغريزية وتلف . ولم أر في شهوات النفس أسرع هلاكا من هذه الشهوة ، فإنه كلما مال الانسان إلى شخص مستحسن أوجب ذلك حركة الباه زائدا عن العادة ، وإذا رأى أحسن منه زادت الحركة وكثر خروج المني زائدا عن الأول ، فيفنى جوهر الحياة أسرع شيء ، وبالضد من هذا أن تكون المرأة مستقبحة فلا يوجب نكاحها خروج الفضلة المؤذية كما ينبغي ، فيقع التأذي بالاحتباس وقوة التّوق إلى منكوح . وكذلك المفرط في الاكل فإنه يجني على نفسه كثيرا من الجنايات ، والمقصر في مقدار القوت كذلك . فعلمت أن أفضل الأمور أوساطها ، والدنيا مفازة فينبغي أن يكون السابق فيها العقل ، فمن سلّم زمام راحلته إلى طبعه وهواه ، فيا عجلة تلفه . هذا فيما يتعلق بالبدن والدنيا ، فقس عليه أمر الآخرة . فافهم . 36 - زهد السلف بلغني عن بعض زهاد زماننا أنه قدم اليه طعام فقال : لا آكل . فقيل له : لم ؟ قال : لأن نفسي تشتهيه ، وأنا منذ سنين ما بلّغت نفسي ما تشتهي . فقلت : لقد خفيت طريق الصواب عن هذا من وجهين ، وسبب خفائها عدم العلم . أما الوجه الأول : فان النبي صلّى اللّه عليه وسلم لم يكن على هذا ولا أصحابه ، وقد كان