ابن الجوزي
62
صيد الخاطر
عرفها ؛ أترى يظن الظان أن التكاليف غسل الأعضاء برطل من الماء ، أو الوقوف في محراب ، لأداء ركعتين ؟ هيهات ! هذا أسهل التكليف ، وإن التكليف هو الذي عجزت عنه الجبال ، ومن جملته : أنني إذا رأيت القدر يجري بما لا يفهمه العقل ، ألزمت العقل الاذعان للمقدر ، فكان من أصعب التكليف ، وخصوصا فيما لا يعلم العقل معناه كإيلام الأطفال ، وذبح الحيوان ، مع الاعتقاد بأن المقدر لذلك والآمر به أرحم الراحمين . فهذا مما يتحير العقل فيه ، فيكون تكليف التسليم ، وترك الاعتراض . فكم بين تكليف البدن وتكليف العقل ! ولو شرحت هذا لطال ؛ غير أني أعتذر عما قلته ، فأقول عن نفسي ، وما يلزمني حال غيري : إنني رجل حبب اليّ العلم من زمن الطفولة فتشاغلت به ، ثم لم يحبب اليّ فن واحد منه ، بل فنونه ، ثم لا تقتصر همتي في فن على بعضه ، بل أروم استقصاءه ، والزمان لا يسع ، والعمر أضيق ، والشوق يقوى ، والعجز يقعد ، فيبقى وقوف بعض المطلوبات حسرات ، ثم إن العلم دلني على معرفة المعبود ، وحثني على خدمته ، ثم صاحت بي الأدلة عليه إليه ، فوقفت بين يديه ، فرأيته في نعته وعرفته بصفاته ، وعاينت بصيرتي من ألطافه ما دعاني إلى الهيمان في محبته ، وحركني إلى التخلي لخدمته ، وصار يملكني أمر كالوجد كلما ذكرته ، فعادت خلوتي في خدمتي له ، أحلى عندي من كل حلاوة ، فكلما ملت إلى الانقطاع عن الشواغل وإلى الخلوة ، صاح بي العلم : أين تمضي ؟ أتعرض عني وأنا سبب معرفتك ؟ فأقول له : انما كنت دليلا وبعد الوصول يستغنى عن الدليل ، قال : هيهات ! كلما زدت ، زادت معرفتك بمحبوبك ، وفهمت كيف القرب منه ، ودليل هذا ، انك تعلم غدا ، أنك اليوم في نقصان ، أو ما سمعته يقول لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم « وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً » . ثم ألست تبغي القرب منه ؟ فاشتغل بدلالة عباده عليه ، فهي حالات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . أما علمت أنهم آثروا تعليم الخلق ، على خلوات التعبد ، لعلمهم أن ذلك آثر عند حبيبهم ؟ أما قال الرسول صلّى اللّه عليه وسلم لعلي رضي اللّه عنه : لأن يهدي اللّه بك رجلا ، خير لك من حمر النعم ؟ فلما فهمت صدق هذه المقالة ، تهوّست على تلك الحالة ، وكلما تشاغلت بجمع الناس عليّ ، تفرق همي ، وإذا وجدت مرادي من نفعهم ، ضعت أنا ، فأبقى في حيز التحير مترددا ، لا أدري على أي القدمين أعتمد ، فإذا وقفت متحيرا صاح العلم ، قم لكسب العيال ، وادأب في تحصيل ولد يذكر اللّه ، فإذا شرعت في ذلك