ابن الجوزي

63

صيد الخاطر

قلص ضرع الدنيا وقت الحلب ، وأريت باب المعاش مسدودا في وجهي ، لأن صناعة العلم شغلتني عن تعلم صناعة ، فإذا التفت إلى أبناء الدنيا ، رأيتهم لا يبيعون شيئا من سلعها الا بدين المشتري وليت من نافقهم أو راياهم « 1 » نال من دنياهم . بل ربما ذهب دينه ولم يحصل مراده ، فان قال الضجر : اهرب . قال الشرع : كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت . وان قال العزم : انفرد . قال : فكيف بمن تعول ؟ فغاية الامر انني أشرع في التقلل من الدنيا ، وقد ربيت في نعيمها ، وغذيت بلبانها ، ولطف مزاجي فوق لطف وضعه بالعادة . فإذا غيرت لباسي وخشنت مطعمي ، لأن القوت لا يحتمل الانبساط نفر الطبع لفراق العادة ، فحل المرض فقطع عن واجبات ، وأوقع في آفات . ومعلوم أن لين اللقمة بعد التحصيل من الوجوه المستطابة وتخشينها لمن لم يألف سعي في تلف النفس ، فأقول : كيف أصنع وما الذي أفعل ؟ وأخلو بنفسي في خلواتي وأتزيد من البكاء على نقص حالاتي . فأقول : أصف حال العلماء وجسمي يضعف عن إعادة العلم ، وحال الزهاد ، وبدني لا يقوى على الزهد ، وحال المحبين ، ومخالطة الخلق تشتت همي ، وتنقش صور المحبوبات من الهوى في نفسي . فتصدأ مرآة قلبي ، وشجرة المحبة تحتاج إلى تربية في تربة طيبة ، لتسقي ماء الخلوة ، من دولاب الفكرة ، وان آثرت التكسب لم أطق ، وان تعرضت لأبناء الدنيا مع أن طبعي الأنفة من الذل ، وتديني يمنعني ، فلا يبقى للميل مع هذين الجاذبين أثر ، ومخالطة الخلق تؤذي النفس مع الأنفاس ، فلا تحقيق التوبة أقدر عليه ، ولا نيل مرتبة من علم أو عمل أو محبة يصح لي . فإذا رأيتني كما قال القائل : ألقاه في الماء مكتوفا وقال له * إياك إياك أن تبتل بالماء تحيرت في أمري ، وبكيت على عمري ، وأنادي في فلوات خلواتي بما سمعته من بعض العوام « 2 » وكأنه وصف حالي : وا حسرتي كم أداري فيك تعثيري * مثل الأسير بلا حيل ولا سيري ما حيلتي في الهوى قد ضاع تدبيري * لما شكلت جناحي قلت لي طيري

--> ( 1 ) أي عاملهم بالرياء . ( 2 ) البيتان من تخميس البسيط .