ابن الجوزي

61

صيد الخاطر

أرواح الشهداء المؤمنين في الجنة ، وأرواح الكفار في النار « 1 » ، وقد جاء في أحاديث الشهداء : أنها في حواصل طير خضر تعلق « 2 » من شجر الجنة . وقد أخذ بعض الجهلة بظواهر أحاديث النعيم ، فقالوا : ان الموتى يأكلون في القبور ، وينكحون ، والصواب من ذلك ، ان النفس تخرج بعد الموت إلى نعيم أو عذاب ، وانها تجد ذلك إلى يوم القيامة ، فإذا كانت القيامة ، أعيدت إلى الجسد ليتكامل لها التنعم بالوسائط . وقوله ( في حواصل طير خضر ) دليل على أن النفوس لا تنال لذة الا بواسطة ، ان كانت تلك لذة مطعم أو مشرب ، فأما لذات المعارف والعلوم فيجوز أن تنالها بذاتها ، مع عدم الوسائط . والمقصود من هذا المذكور أني رأيت بعض الانزعاج من الموت ، وملاحظة النفس بعين العدم عنده ، فقلت لها : ان كنت مصدقة للشريعة فقد أخبرت بما تعرفين ، ولا وجه للانكار ، وان كان هناك ريب في أخبار الشريعة ، صار الكلام في بيان صحة الشريعة فقالت : لا ريب عندي ، قلت ، فاجتهدي في تصحيح الايمان ، وتحقيق التقوى ، وأبشري حينئذ بالراحة من ساعة الموت ، فاني لا أخاف عليك الا من التقصير في العمل ، واعلمي أن تفاوت النعيم بمقدار درجات الفضائل فارتفعي بأجنحة الجد إلى أعلى أبراجها ، واحذري من قانص هوى ، أو شرك غرة ، واللّه الموفق . 21 - بين العلم والعمل قلت يوما في مجلسي : لو أن الجبال حملت ما حمّلت لعجزت ، فلما عدت إلى منزلي ، قالت لي النفس : كيف قلت هذا ، وربما أوهم الناس أن بك بلاء وأنت في عافية في نفسك وأهلك ؟ وهل الذي حملت الا التكليف الذي يحمله الخلق كلهم ؟ فما وجه هذه الشكوى . فأجبتها أني لما عجزت عما حملت ، قلت هذه الكلمة لا على سبيل الشكوى ، ولكن للاسترواح ، وقد قال كثير من الصحابة والتابعين قبلي : ليتنا لم نخلق ! وما ذاك الا لأثقال عجزوا عنها ، ثم من ظن أن التكاليف سهلة فما

--> ( 1 ) وما يقال في استحضار الأرواح لا دليل له من النقل ولا من العقل . على أن حضور أرواح المؤمنين ممكن لأنها طليقة ، وان كان ليس قطعيا لاحتمال ان يكون المتكلم على لسانها جنيا أو شيطانا وأن يكون الامر كله من قبيل الوهم . أما استحضار أرواح الكفار فغير ممكن لأنها مسجونة مقيدة وما يدعى منه باطل نطعا . وأوسع مرجع في أمر الروح كتاب ابن القيم وليس كل ما فيه مسلما له . ( 2 ) أي تأكل .