ابن الجوزي
60
صيد الخاطر
تتمسح العوام بهم تبركا ، ويشيع جنائزهم ما لا يحصى . وهل الناس إلا صاحب أثر يتبعه ، أو فقيه يفهم مراد الشرع ويفتي به ؟ نعوذ باللّه من الجهل ، وتعظيم الاسلاف تقليدا لهم بغير دليل ! فان من ورد المشرب الأول رأى سائر المشارب كدرة ، والمحنة العظمى مدائح العوام . فكم غرت كما قال علي رضي اللّه عنه : « ما أبقى خفق النعال وراء الحمقى ، من عقولهم شيئا » . ولقد رأينا وسمعنا من العوام ، أنهم يمدحون الشخص ، فيقولون : لا ينام الليل ، ولا يفطر النهار ، ولا يعرف زوجة ، ولا يذوق من شهوات الدنيا شيئا ، قد نحل جسمه ، ودق عظمه ، حتى أنه يصلي قاعدا ، فهو خير من العلماء الذين يأكلون ويتمتعون . ذلك مبلغهم من العلم ، ولو علموا أن الدنيا كلها لو اجتمعت في لقمة فتناولها عالم يفتي عن اللّه ، ويخبر بشريعته ، كانت فتوى واحدة منه يرشد بها إلى اللّه تعالى خيرا وأفضل من عبادة ذلك العابد باقي عمره ! وقد قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : فقيه واحد أشد على إبليس من ألف عابد . ومن سمع هذا الكلام فلا يظنن أنني أمدح من لا يعمل بعلمه ، وإنما أمدح العاملين بالعلم ، وهم أعلم بمصالح أنفسهم ، فقد كان فيهم من يصلح على خشن العيش ، كأحمد بن حنبل ، وكان فيهم من يستعمل رقيق العيش ، كسفيان الثوري مع ورعه ، ومالك مع تدينه ، والشافعي مع قوة فقهه ، ولا ينبغي أن يطالب الانسان بما يقوى عليه غيره ، فيضعف هو عنه ، فان الانسان أعرف بصلاح نفسه . وقد قالت رابعة : إن كان صلاح قلبك في الفالوذج فكله ، ولا تكونن أيها السامع ممن يرى صور الزهد ، فرب متنعم لا يريد التنعم ، وإنما يقصد المصلحة . وليس كل بدن يقوى على الخشونة خصوصا من قد لاقى الكدّ وأجهده الفكر ، أو عضه الفقر ، فإنه إن لم يرفق بنفسه ، يترك واجبا عليه من الرفق . فهذه جملة لو شرحتها بذكر الاخبار والمنقولات لطالت ، غير أني سطرتها على عجل حين جالت في خاطري ؛ واللّه ولي النفع برحمته . 20 - النفس والروح قد أشكل على الناس أمر النفس وماهيتها ، مع إجماعهم على وجودها ، ولا يضر الجهل بذاتها مع إثباتها ؛ ثم أشكل عليهم مصيرها بعد الموت ؛ ومذهب أهل الحق أن لها وجودا بعد موتها ، وانها تنعّم وتعذّب ، قال أحمد بن حنبل :