ابن الجوزي
57
صيد الخاطر
ومالك بن دينار « 1 » ، في زهدهما ، فرئي عنده طعام فيه لحم ، فقال : لا رغيفي مالك ، ولا صحني فرقد . ورأى على فرقد كساء ، فقال : يا فرقد ان أكثر أهل النار أصحاب الأكسية . وكم قد زوق قاصّ مجلسه بذكر أقوام خرجوا إلى السياحة بلا زاد ولا ماء ، وهو لا يعلم أن هذا من أقبح الافعال ، وأن اللّه تعالى لا يجرّب عليه ، فربما سمعه جاهل من التائبين ، فخرج فمات في الطريق ، فصار للقائل نصيبه من إثمه . وكم يروون عن ذي النون : أنه لقي امرأة في السياحة فكلمها وكلمته ، وينسون الأحاديث الصحاح : لا يحل لامرأة أن تسافر يوما وليلة إلا بمحرم ! وكم ينقلون : أن أقواما مشوا على الماء وقد قال إبراهيم الحربي « 2 » : لا يصح أن أحدا مشى على الماء قط « 3 » ! فإذا سمعوا هذا قالوا : أتنكرون كرامات الأولياء الصالحين ؟ فنقول : لسنا من المنكرين لها ، بل نتبع ما صح ، والصالحون هم الذين يتبعون الشرع ، ولا يتعبدون بآرائهم . وفي الحديث : ان بني إسرائيل شددوا ، فشدد اللّه عليهم . وكم يحثّون على الفقر حتى حملوا خلقا على اخراج أموالهم ، ثم آل بهم الأمر إما إلى التسخط عند الحاجة ، وإما إلى التعرض بسؤال الناس . وكم تأذى مسلم بأمرهم الناس بالتقلل ، وقد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « ثلث طعام ، وثلث شراب ، وثلث نفس » ، فما قنعوا حتى أمروا بالمبالغة في التقلل . فحكى أبو طالب المكي « 4 » في قوت القلوب : ان فيهم من كان يزن قوته بكربة « 5 » رطبة ، ففي كل ليلة يذهب من رطوبتها قليل ، وكنت أنا ممن اقتدى بقوله في الصبا ، فضاق المعى وأوجب ذلك مرض سنين . أفترى هذا شيء تقتضيه الحكمة أو ندب اليه الشرع ؟ وإنما مطية الآدمي قواه ،
--> ( 1 ) إذا أطلق الحسن فهو البصري سيد التابعين وفرقد السبخي ومالك بن دينار من عباد المحدثين ماتا كلاهما سنة 131 . ( 2 ) من أعلام المحدثين كان من تلاميذ أحمد بن حنبل توفي سنة 285 . ( 3 ) وقولهم « كل ما جاز أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي » غير مسلم . راجع بحث الأستاذ السيد الخضر حسين شيخ الأزهر السابق في « رسائل الاصلاح » ومنظومة الوهبانية في الفقه الحنفي وشرحها وفيها أن من ادعى لولي طي الأرض جاهل وقيل بكفره . راجع « الوهبانية » و « البزازية » . ( 4 ) محمد بن علي من مشايخ الصوفية سكن بغداد وتوفي بها سنة 386 . ( 5 ) وهي كربة النخل والطري منها يؤكل اليوم في العراق .