ابن الجوزي

58

صيد الخاطر

فإذا سعى في تقليلها ضعف عن العبادة . فانا لو دخلنا ديار الروم ، فوجدنا أثمان الخمور وأجرة الفجور ، كان لنا حلالا بوصف الغنيمة . أفتريد حلالا على معنى أن الحبة من الذهب لم تنتقل مذ خرجت من المعدن ، على وجه لا يجوز ! فهذا شيء لم ينظر فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . أو ليس قد سمعت أن الصدقة عليه حرام ، فلما تصدق على بريرة بلحم فأهدته ، جاز له أكل تلك العين لتغير الوصف . وقد قال أحمد بن حنبل : أكره التقلل من الطعام ، فان أقواما فعلوه فعجزوا عن الفرائض ، وهذا صحيح . فان المتقلل لا يزال يتقلل ، إلى أن يعجز عن النوافل ثم عن الفرائض ، ثم يعجز عن مباشرة أهله وإعفافهم ، وعن بذل القوى في الكسب لهم ، وعن فعل خير قد كان يفعله ، ولا يهولنك ما تسمعه من الأحاديث ، التي تحث على الجوع ، فان المراد بها إما الحث على الصوم ، وإما النهي عن مقاومة الشبع . فأما تنقيص المطعم على الدوام ، فمؤثر في القوى ، فلا يجوز . ثم في هؤلاء المذمومين من يرى هجر اللحم ، والنبي صلّى اللّه عليه وسلم كان يود أن يأكله كل يوم ، واسمع مني بلا محاباة ، لا تحتجنّ عليّ بأسماء الرجال ، فتقول قد قال بشر « 1 » وقال إبراهيم بن أدهم ، وان من احتج بالرسول صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه رضوان اللّه عليهم أقوى حجة ، على أن لأفعال أولئك وجوها نحملها عليها بحسن الظن . ولقد ذاكرت بعض مشايخنا ما يروى عن جماعة من السادات ، أنهم دفنوا كتبهم ، فقلت له : ما وجه هذا ؟ فقال : أحسن ما نقول أن نسكت ، يشير إلى أن هذا جهل من فاعله ، وتأولت أنا لهم فقلت : لعل ما دفنوا من كتبهم ، فيه شيء من الرأي ، فما رأوا أن يعمل الناس به ، ولقد روينا في الحديث عن أحمد بن أبي الحواري « 2 » : أنه أخذ كتبه فرمى بها في البحر وقال : نعم الدليل كنت ، ولا حاجة لنا إلى الدليل ، بعد الوصول إلى المدلول . وهذا إذا أحسنا به الظن ، قلنا كان فيها من كلامهم ما لا يرتضيه ، فأما إذا كانت علوما صحيحة ، كان هذا من أفحش الإضاعة وأنا وإن تأولت لهم هذا ، فهو تأويل صحيح في حق العلماء منهم ، لأنا قد روينا عن سفيان الثوري : أنه قد أوصى بدفن كتبه ، وكان ندم على أشياء كتبها ، عن قوم ، وقال : حملني شهوة الحديث ( وهذا لأنه كان يكتب عن الضعفاء والمتروكين ) فكأنه لما عسر عليه التمييز ؛ أوصى بدفن

--> ( 1 ) بشر بن الحارث « الحافي » المتوفي سنة 227 . ( 2 ) أحمد بن عبد اللّه المحدث الزاهد أحد الاعلام توفي في الشام سنة 246 .