ابن الجوزي

410

صيد الخاطر

والذي طلبوه من السلامة وبلوغ الاغراض أمامهم لو فهموا « 1 » فهم كالزور جاري يتلوث بالطين فإذا فرغ لبس ثياب النظافة . ولما أريد نقض هذا البدن الذي لا يصلح للبقاء نحيت عنه النفس الشريفة ثم بني بناء يقبل الدوام . وبعد هذا فقل للمعترض : « فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ » قل له : إن اعترض لم يمنع ذلك جريان القدر وإن سلم جرى القدر ، فلأن يجري وهو مأجور خير من أن يجري وهو مأزور . وما أحسن سكوت وضاح اليمن لما اختبأ في صندوق فقال السلطان : أيها الصندوق ان كان فيك ما نظن فقد محونا أثرك ، وان لم يكن فليس بدفن خشب من جناح ، فلو أنه صاح ما انتفع بشيء ، ولربما أخرج فقتل أقبح قتلة « 2 » . 371 - أفراح الدنيا لا تصفو من الأكدار من تلمح أحوال الدنيا علم أن مراد الحق سبحانه وتعالى اجتنابها . فمن مال إلى مباحها ليلتذ وجد مع كل فرحة ترحة ، وإلى جانب كل راحة تعبا ، وآخر كل لذة نغصا يزيد عليها ، وما رفع شيء من الدنيا إلا ووضع ، أحب الرسول صلّى اللّه عليه وسلم عائشة رضي اللّه عنها فجاء حديث الافك ، ثم يكفي أنه إذا حصل محبوبه فعين العقل ترى فراقه فيتنغص عند وجوده كما قال الشاعر : أتم الحزن عندي في سرور * تيقن عنه صاحبه انتقالا فيعلم العاقل أن مراد الحق بهذا التكدير التنفير عن الدنيا ، فيبقى أخذ البلغة منها ضرورة ، وترك الشواغل ، فيجتمع الهم في خدمة الحق ، ومن عدل عن ذلك ندم على الفوات . 372 - احفظ مالك وتوسط في الانفاق واكتم أمر معيشتك العاقل يدبر بعقله عيشته في الدنيا ، فإن كان فقيرا اجتهد في كسب وصناعة تكفه عن الذل للخلق ، وقلل العلائق واستعمل القناعة فعاش سليما من منن الناس عزيزا بينهم ، وان كان غنيا فينبغي له أن يدبر في نفقته خوف أن يفتقر فيحتاج إلى

--> ( 1 ) أي ان السلامة وبلوغ الاغراض انما تكون يوم القيامة . ( 2 ) قصة وضاح اليمن قصة خبيثة مكذوبة وضعت للطعن في العرب والمسلمين .