ابن الجوزي

392

صيد الخاطر

فقال : ألست تمرض ؟ ألست تحزن ؟ أليس يصيبك اللأواء ؟ فذلك ما تجزون به . وأما المعنى فان المؤمن إذا تاب وندم كان أسفه على ذنبه في كل وقت أقوى من كل عقوبة . فالويل لمن عرف مرارة الجزاء الدائمة وآثر لذة المعصية لحظة . 354 - المؤلف يناجي ربه ويحاسب نفسه تفكرت في نفسي يوما نفكر محقق ، فحاسبتها قبل أن تحاسب ، ووزنتها قبل أن توزن ، فرأيت اللطف الرباني ، فمنذ الطفولة وإلى الآن أرى لطفا بعد لطف ، وسترا على قبيح وعفوا عما يوجب عقوبة ، وما أرى لذلك شكرا إلا باللسان ولقد تفكرت في خطايا لو عوقبت ببعضها لهلكت سريعا ، ولو كشف للناس بعضها لاستحييت . ولا يعتقد معتقد عند سماع هذا أنها من كبائر الذنوب ، حتى يظن فيّ ما يظن في الفساق ، بل هي ذنوب قبيحة في حق مثلي ، وقعت بتأويلات فاسدة . فصرت إذا دعوت أقول : اللهم بحمدك وسترك علي اغفر لي . ثم طالبت نفسي بالشكر على ذلك فما وجدته كما ينبغي . ثم أنا أتقاضى القدر مراداتي ولا أتقاضى نفسي بصبر على مكروه ، ولا بشكر على نعمة ، فأخذت أنوح على تقصيري في شكر المنعم . وكوني أتلذذ بايراد العلم من غير تحقيق عمل به . وقد كنت أرجو مقامات الكبار ، فذهب العمر وما حصل المقصود . فوجدت أبا الوفاء بن عقيل « 1 » قد ناح نحو ما نحت فأعجبتني نياحته فكتبتها هاهنا . قال لنفسه : يا رعناء تقوّمين الألفاظ ليقال : مناظر . وثمرة هذا ( يا مناظر ) كما يقال للمصارع : الغارة . ضيعت أعز الأشياء وأنفسها عند العقلاء ، وهي أيام العمر حتى شاع لك بين من يموت غدا اسم مناظر ، وينسى الذاكر والمذكور إذا درست القلوب . هذا ان تأخر الأمر إلى موتك بل ربما نشأ شاب أفره منك فموّهوا له وصار الاسم له . والعقلاء عن اللّه تشاغلوا بما إذا انطووا نشرهم وهو العمل بالعلم ، والنظر الخالص لنفوسهم . أف لنفسي وقد سطرت عدة مجلدات في فنون العلوم

--> ( 1 ) علي بن محمد المتوفى سنة 514 .