ابن الجوزي

393

صيد الخاطر

وما عبق بها فضيلة . ان نوظرت شمخت ، وان نوصحت تعجرفت ، وان لاحت الدنيا طارت إليها طيران الرخم ، وسقوط الغراب على الجيف ، فليتها أخذت أخذ المضطر من الميتة . توفر في المخالطة عيوبا تبلى ولا تحتشم نظر الحق إليها . وان انكسر لها غرض تضجرت ، فان أمدّ بالنعم اشتغلت عن المنعم . أف واللّه مني اليوم على وجه الأرض وغدا تحتها ، واللّه إنّ نتن جسدي بعد ثلاث تحت التراب أقل من نتن خلائقي وأنا بين الأصحاب . واللّه انني قد أبهرني حلم هذا الكريم عني كيف يسترني وأنا أنتهك ؟ ويجمعني وأنا أتشتت ؟ وغدا يقال : مات الحبر العالم الصالح . ولو عرفوني حق معرفتي ما دفنوني . واللّه لأنادين على نفسي نداء المكشفين معايب الأعداء ، ولأنوحن نوح الثاكلين للأبناء إذ لا نائح لي ينوح عليّ لهذه المصائب المكتومة ، والخلال المغطاة التي قد سترها من خبرها وغطاها من علمها . واللّه ما أجد لنفسي خلة أستحسن أن أقول متوسلا بها : اللهم اغفر لي كذا بكذا . واللّه ما التفت قط الا وجدت منه سبحانه برا يكفيني ووقاية تحميني ، مع تسلط الأعداء . ولا عرضت حاجة فمددت يدي الا قضاها . هذا فعله معي وهو رب غني عني ، وهذا فعلي وأنا عبد فقير اليه . ولا عذر لي فأقول ما دريت أو سهوت . واللّه لقد خلقني خلقا صحيحا سليما ، ونور قلبي بالفطنة ، حتى أن الغائبات والمكنونات تنكشف لفهمي . فوا حسرتاه على عمر انقضى فيما لا يطابق الرضى . وا حرماني لمقامات الرجال الفطناء . يا حسرتي على ما فرطت في جنب اللّه وشماتة العدو بي . وا خيبة من أحسن الظن بي إذا شهدت الجوارح عليّ ، وا خذلاني عند إقامة الحجة . سخر واللّه مني الشيطان وأنا الفطن . اللهم توبة خالصة من هذه الأقذار ، ونهضة صادقة لتصفية ما بقي من الأكدار ، وقد جئتك بعد الخمسين وأنا من خلق المتاع . وأبى العلم إلا أن يأخذ بيدي إلى معدن الكرم . وليس لي وسيلة إلا التأسف والندم ، فو اللّه ما عصيتك جاهلا بمقدار نعمك ، ولا ناسيا لما أسلفت من كرمك فاغفر لي سالف فعلي .