ابن الجوزي

384

صيد الخاطر

346 - اعمل لترضي اللّه ولو أسخطت الناس ينبغي أن يكون العمل كله للّه ، ومعه ، ومن أجله . وقد كفاك كلّ مخلوق وجلب لك كلّ خير . وإياك أن تميل عنه بموافقة هوى وارضاء مخلوق ، فإنه يعكس عليك الحال ، ويفوتك المقصود . وفي الحديث : من أرضى الناس بسخط اللّه عاد حامده من الناس ذاما . وأطيب العيش من يعيش مع الخالق سبحانه ، فان قيل : كيف يعيش معه ؟ قلت : بامتثال أمره ، واجتناب نهيه ، ومراعاة حدوده ، والرضى بقضائه ، وحسن الأدب في الخلوة ، وكثرة ذكره ، وسلامة القلب من الاعتراض في أقداره ، فإن احتجت سألته ، فان أعطى وإلا رضيت بالمنع ، وعلمت أنه لم يمنع بخلا ، انما نظر لك . ولا تنقطع عن السؤال لأنك تتعبد به ، ومتى دمت على ذلك رزقك محبته وصدق التوكل عليه ، فصارت المحبة تدلك على المقصود ، وأثمرت لك محبته إياك ، فحينئذ تعيش عيش الصديقين . ولا خير في عيش ان لم يكن كذا فان أكثر الناس مخبّط في عيشه ، يداري الأسباب ويميل إليها بقلبه ، ويتعب في تحصيل الرزق بحرص زائد على الحد ، ويرغبه إلى الخلق ، ويعترض عند انكسار الاغراض ، والقدر يجري ولا يبالي بسخط ، ولا يحصل له إلا ما قدر ، وقد فاته القرب من الحق والمحبة له والتأدب معه ، فذلك العيش عيش البهائم . 347 - حكمة الطعام والشراب ووجوب الاقتصاد في تناولهما نظرت في حكمة المطعم والمشرب والملبس والمنكح ، فرأيت أن الآدميّ لما خلق من أصول تتحلل ، وهي الماء والتراب والنار والهواء ، وبقاؤه انما يكون بالحرارة والرطوبة والحرارة تحلل الرطوبة دائما ، فلم يكن له بد من شيء يخلف ما بطل ، ولما كان اللحم لا ينوب عنه الا اللحم ، أباح ذبح الحيوان ليتقوى به من هو أشرف منه . ولما كان بدنه يحتاج إلى كسوة وله قدرة تميز ، وقدرة يصنع بها ما يقيه الأذى من القطن والصوف ، لم يجعل على جلده ما يقيه خلقة ، بخلاف الحيوان البهيم ، فإنه لما لم يكن له قدرة على ما يغطي جلده عوضه بالريش والشعر والوبر . ولما لم يكن بد من فناء الآدمي والحيوان هيج شهوة الجماع لتخلف النسل . فمقتضى العقل الذي حرك على طلب هذه المصالح أن يكون التناول للمطعم والمشرب