ابن الجوزي

385

صيد الخاطر

مقدار الحاجة والمصلحة ، ليقع الالتذاذ بالعافية . ومن البلية طلب الالتذاذ بالمطعم وان كان غير صالح والاكثار منه والشره في تناوله ، وكذلك الكسوة والنكاح . ومن الحزم جمع المال وادخاره لعارض حاجة من ذلك . ومن التغفيل انفاق الحاصل ، فربما عرضت حاجة فلم يقدر عليها فأثر عدمها في البدن أو في العرض بطلبها من الأنذال . ومن أقبح الأمور الانهماك في النكاح طلبا لصور اللذة ناسيا ما يجني ذلك من انحلال القوة ويزيد في الحرام بالعقوبة . فمن مال إلى تدبير العقل سلم في دنياه وآخرته . ومن أعرض عن مشاورته أو عن القبول منه تعجل عطبه . فليفهم مقصود الموضوعات وحكمها والمراد منها ، فمن لم يفهم ولم يعمل بمقتضى ما فهم كان كأجهل العوام . وان كان عالما . 348 - ضرر مخالطة الامراء في مخالطة الأمراء . العجب ممن له مسكة من عقل أو عنده قليل من دين كيف يؤثر مخالطتهم . فإنه بالمخالطة لهم أو العمل معهم يكون خائفا من عزل أو قتل أو سم ، ولا يمكنه أن يعمل إلا بمقتضى أوامرهم . فان أمروا بما لا يجوز لم يقدر أن يراجع فقد باع دينه قطعا بدنياه ، فمنعه بالخوف ولم يبق بيده إلا عاجل التعظيم وأن يقال بين يديه بسم اللّه « 1 » ، وان ينفذ أوامره وذلك بعيد من السلامة في باب الدين وما يلتذ به منه في الدنيا ممزوج بخوف العزل والقتل . 349 - أحسن إلى الناس ولا تظهر العداوة لأحد من الغلط العظيم أن يتكلم في حق معزول بما لا يصلح فإنه لا يؤمن أن يلي فينتقم . وفي الجملة لا ينبغي أن يظهر العداوة لأحد أصلا ، فقد يرتفع المحتقر وقد لا يتمكن من لا يعدّ ، بل ينبغي أن يكتم ما في النفوس على الأعداء ، فان أمكن الانتقام منهم كان العفو انتقاما لأنه يذلهم . وينبغي أن يحسن إلى كل أحد ، خصوصا من يجوز أن يكون له ولاية ، وأن يخدم المعزول ، فربما نفع في ولايته « 2 » .

--> ( 1 ) كانوا يقولونها بين يدي الامراء تنبيها على وصولهم أو دخولهم ليقام لهم ويحتفل باستقبالهم . ( 2 ) هذه المعاني كلها أعادها مرارا .