ابن الجوزي

380

صيد الخاطر

ما حضر « 1 » . ولعمري أن في العرب وأهل السواد ، من لا يؤثر عنده التخشن في المطعم والملبس ، وذاك إذا جرى بعد توبته على عادته لم يستضر . فأما من قد ألف اللطف فإنه إذا غير حالته تغير بدنه ، وقلت عبادته . وقد كان الحسن يديم أكل اللحم ويقول : لا رغيفي مالك ولا صحني فرقد « 2 » . وكان ابن سيرين « 3 » لا يخلي منزله من حلوى . وكان سفيان الثوري يسافر وفي سفرته الحمل المشوي ، والفالوذج . وقالت رابعة « 4 » : ما أرى لبدن يراد به العمل للّه إذا أكل الفالوذج عيبا . فمن ألف الترف فينبغي أن يتلطف بنفسه إذا أمكنه . وقد عرفت هذا من نفسي ، فاني ربيت في ترف فلما ابتدأت في التقلّل وهجر المشتهى ، أثر معي مرضا قطعني عن كثير من التعبد ، حتى أني قرأت في أيام كل يوم خمسة أجزاء من القرآن ، فتناولت يوما ما لا يصلح فلم أقدر في ذلك اليوم على قراءتها ، فقلت : ان لقمة تؤثر قراءة خمسة أجزاء بكل حرف عشر حسنات انّ تناولها لطاعة عظيمة ، وان مطعما يؤذي البدن فيفوته فعل خير ينبغي أن يهجر . وقد رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم رجلا من أصحابه حضر عنده وقد تغير من التقشف فقال له : من أمرك بهذا ؟ فالعاقل يعطي بدنه من الغذاء ما يوافقه كما ينقي الغازي شعير الدابة . ولا تظنن أني آمر بأكل الشهوات ، ولا بالاكثار من الملذوذ ، انما آمر بتناول ما يحفظ النفس ، وأنهى عما يؤذي البدن . فأما التوسع في المطاعم ، فإنه سبب النوم . والشبع يعمي القلب ، ويرهل البدن ويضعفه . فافهم ما أشرت إليه ، فالطريق هي الوسطى . 342 - كمال الفطنة بكمال العقل إذا تكامل العقل قوي الذكاء والفطنة . والذكي يتخلص إذا وقع في آفة .

--> ( 1 ) كل هذه المعاني تكرر من قبل . ( 2 ) ذكر هذا من قبل وشرحناه . ( 3 ) هما اثنان محمد والحسن والمراد عند الاطلاق الأول . ( 4 ) توفيت سنة 135 كما روى المؤلف في كتابه شذور العقور وعند ابن خلكان وغيره سنة 185 .