ابن الجوزي

373

صيد الخاطر

قال : فتغير في آخر عمره ولازمه الفقر ، فكان يلقى الشدائد ولا ينتهي عن قبح حاله ، إلى أن جمعت له يوما قراريط على وجه الكدية فاستحيا من ذلك وقال : يا رب إلى هذا الحد ؟ قال الحاكي « 1 » : فتعجبت من غفلته كيف نسي اللّه عز وجل ، وأراد منه حسن التدبير له والصيانة وسعة الرزق ، وكأنه ما سمع قوله تعالى « وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً » ، ولا علم أن المعاصي تسد أبواب الرزق . وان من ضيع أمر اللّه ضيعه اللّه . فما رأيت علما ما أفاد كعلم هذا ، لأن العالم إذا زل انكسر ، وهذا مصر لا تؤلمه معصية ، وكأنه يجوز له ما يفعل ، أو كأن له التصرف في الدين تحليلا وتحريما . فمرض عاجلا ومات على أقبح حال . قال الحاكي : ورأيت شخصا آخر حصل صور العلم فما أفادته . كان أي فسق أمكنه لم يتحاش منه ، وأي أمر لم يعجبه من القدر عارضه بالاعتراض على المقدر واللوم . فعاش أكدر عيش ، وعلى أقبح اعتقاد حتى درج . وهؤلاء لم يفهموا معنى العلم ، وليس العلم صور الألفاظ ، انما المقصود فهم المراد منه ، وذاك يورث الخشية والخوف ، ويرى المنة للمنعم بالعلم ، وقوة الحجة له على المتعلم . نسأل اللّه عز وجل يقظة تفهمنا المقصود ، وتعرفنا المعبود . ونعوذ باللّه من سبيل رعاع يتسمّون بالعلماء لا ينهاهم ما يحملون ، ويعلمون ولا يعملون ، ويتكبرون على الناس بما لا يعملون ، ويأخذون عرض الأدنى وقد نهوا عما يأخذون ، غلبتهم طباعهم ، وما راضتهم علومهم التي يدرسون ، فهم أخس حالا من العوام الذين يجهلون « يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ » . 336 - على الفقيه أن يأخذ من كل علم بطرف للفقيه أن يطالع من كل فن طرفا من تاريخ وحديث ولغة وغير ذلك . فان الفقه يحتاج إلى جميع العلوم . فليأخذ من كل شيء منها مهمّا .

--> ( 1 ) أظنه يعني نفسه .