ابن الجوزي
367
صيد الخاطر
التشاغل بما هو أهم ، ولو اتسع العمر كان استيفاء كل الطرق في كل الأحاديث غاية في الجودة ، لكن العمر قصير . ولما تشاغل بالطرق مثل يحيى بن معين فاته من الفقه كثير ، حتى أنه سئل عن الحائض أيجوز أن تغسل الموتى ؟ فلم يعلم ، حتى جاءه أبو ثور فقال : يجوز ، لأن عائشة رضي اللّه عنها قالت : كنت أرجّل رأس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأنا حائض . فيحيى أعلم بالحديث منه ، ولكن لم يتشاغل بفهمه « 1 » . فأنا أنهى أهل الحديث أن يشغلهم كثرة الطرق . ومن أقبح الأشياء أن تجري حادثة يسأل عنها شيخ قد كتب الحديث ستين سنة فلا يعرف حكم اللّه عز وجل فيها « 2 » . وكذلك أنهى من يتشاغل بالتزهد والانقطاع عن الناس أن يعرض عن العلم . بل ينبغي أن يجعل لنفسه منه حظا ليعلم إن زل كيف يتخلص . 332 - التقلل من الطعام وليس من الدين معرفة اللّه سبحانه لا تحصل إلا لكامل العقل ، صحيح المزاج . والترقي إلى محبته بذلك يكون . وان أقواما قلّت عقولهم وفسدت أمزجتهم ، فساءت مطاعمهم ، وقلّت ، فتخايلت لهم الخيالات الفاسدة ، فادعوا معرفة الحق ومحبته ، ولم يكن عندهم من العلم ما يصدهم عما ادعوا فهلكوا . وليعلم أن في المأكولات افساد العقل ، وفيها ما يزيد في السوداء ، فيوجب الماليخوليا ، فترى صاحبها يحب الخلوة ، ويهرب من الناس ، ويقلل المطعم ، فيقوى مرضه فيتخايل له خيالات يظنها حقا . فمنهم من يقول : اني رأيت الملائكة . وفيهم من يخرجه الأمر إلى دعوى محبة الحق والوله فيه ولا يكون ذلك عن أصل معتمد عليه . وانما العاقل العالم يسير في الطريق بين الرفيقين العلم والعقل . فان تقلل من الطعام فبعقل . وحدّ التقلل ترك فضول المطعم ، وما يخاف شره ، من
--> ( 1 ) المحدثون صيادلة والفقهاء أطباء . ( 2 ) وأقبح منه أن يفتي بلا علم .