ابن الجوزي
368
صيد الخاطر
شبهة أو شهوة ، يحذر تعودها ، وأما زيادة التقلل مع القدرة فليس لعقل ولا شرع ، إلا أن يكون الفقر عم فيتقلل ضرورة . ومن تأمل حال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، وجدهم يأخذون بمقدار ، ولا يتركون حظوظ النفس التي تصلحها . وأحسن الأمر وأعدله قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : ثلث طعام ، وثلث شراب ، وثلث نفس . وقال لعلي بن أبي طالب رضي اللّه عنه وهو مريض : أصب من هذا الطعام فهو أوفق لك من هذا . وكان صلّى اللّه عليه وسلم يشاور الأطباء ويحتجم ويحث على التداوي ويقول : ما أنزل اللّه داء إلا وأنزل له شفاء فتداووا . فجاء أقوام جهلوا العلم والحكمة في بنيان الأبدان . فمنهم من أقام في الجبال يأكل البلوط فأصابه القولنج . ومنهم من قلل المطعم إلى أن ضعفت قواه . ومنهم من اقتصر على نبات الصحراء . ومنهم من كان لا يتقوت الا الباقلاء والشعير . فأوجبت هذه الأفعال أمراضا في البدن ، وترقت إلى إفساد العقل . واتفق لهم قلة العلم ، إذ لو علموا لفهموا أن الحكمة تنهى عن مثل هذا ، فان البدن مبني على أخلاط إذا اعتدلت وافقت السلامة ، وإذا زاد بعضها وقع المرض . وأكثر هؤلاء مرضوا وتعجل لهم الموت . وفيهم من خرج إلى التسودن « 1 » . وفيهم من لاحت له لوائح فادعى رؤية الملائكة إلى غير ذلك . فأما أهل العلم والعقل فهربهم من الخلق لخوف المعاصي ورؤية المنكر . وفيهم من قويت معرفته فشغلته معرفة الحق ومحبته عن ملاقاة الخلق . فهذه هي الخلوات الصافية ، لأنها تصدر عن علم وعقل فتحفظ البدن ، لأنه ناقة توصل . ولا ينبغي أن يتهاون بالمأكولات ، خصوصا من لم يعتده ، ولا يلبس الصوف على البدن من لم يعتده . ولينظر في طريق رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وصحابته ، فإنهم القدوة . ولا يلتفت إلى بنيات الطريق ، فيقال : فلان الزاهد قد أكل الطين ،
--> ( 1 ) كلمة عامية عباسية لا تزال مستعملة في عامية الشام .