ابن الجوزي
362
صيد الخاطر
عاقبة عاجلة ولا آجلة ولا يستحي من الناس أن يروه على فاحشة ، ولا يدبر أمر دنياه فذاك بعيد الرجاء . وقد يندر من هؤلاء من يفلح ، ويكون السبب فيه خميرة من العقل غطى عليها كثرة الهوى . فمثلهم كمثل مصروع أفاق . 325 - يجب الاحتراز مما يجوز أن يقع ينبغي الاحتراز من كل ما يجوز أن يكون ، ولا ينبغي أن يقال : الغالب السلامة . وقد رأينا من نزل مع الخيل في سفينة فاضطربت فغرق من في السفينة وان كان الغالب السلامة وكذا ينبغي أن يقدر الانسان في نفقته وان رأى الدنيا مقبلة لجواز أن تنقطع تلك الأسباب وحاجة النفس لا بد من قضائها ، فإذا بذّر وقت السعة فجاء وقت الضيق لم يأمن أن يدخل في مداخل سوء ، وأن يتعرض بالطلب من الناس . وكذلك ينبغي للمعافى أن يعد للمرض ، وللقوي أن يتهيأ للهرم . وفي الجملة فالنظر في العواقب وفيما يجوز أن يقع شأن العقلاء . فأما النظر في الحالة الراهنة فحسب فحالة الجهلة الحمقى مثل أن يرى نفسه معافى وينسى المرض ، أو غنيا وينسى الفقر ، أو يرى لذة عاجلة وينسى ما تجني عواقبها ، وليس للعقل شغل إلا النظر في العواقب ، وهو يشير بالصواب من أين يقبل . 326 - اصبر على البلاء وتعبد بالدعاء يبين ايمان المؤمن عند الابتلاء ، فهو يبالغ في الدعاء ولا يرى أثرا للإجابة ، ولا يتغير أمله ورجاؤه ولو قويت أسباب اليأس ، لعلمه أن الحق « 1 » أعلم بالمصالح ، أو لأن المراد منه الصبر أو الايمان فإنه لم يحكم عليه بذلك إلا وهو يريد من القلب التسليم لينظر كيف صبره ، أو يريد كثرة اللّجإ والدعاء . فأما من يريد تعجيل الإجابة ويتذمر إن لم تتعجل فذاك ضعيف الايمان . يرى أن له حقا في الإجابة ، وكأنه يتقاضى أجرة عمله . أما سمعت قصة يعقوب عليه السلام ؟ بقي ثمانين سنة في البلاء ورجاؤه لا يتغير فلما ضم إلى فقد يوسف فقد بنيامين لم يتغير أمله « 2 » وقال : « عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً » .
--> ( 1 ) اللّه عز وجل ( 2 ) انظر الفصل « 101 » .