ابن الجوزي

363

صيد الخاطر

وقد كشف هذا المعنى قوله تعالى « أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ » . ومعلوم أن هذا لا يصدر من الرسول والمؤمنين إلا بعد طول البلاء وقرب اليأس من الفرج . ومن هذا قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « لا يزال العبد بخير ما لم يستعجل » . قيل له : وما يستعجل ؟ قال : يقول : دعوت فلم يستجب لي . فإياك إياك أن تستطيل زمان البلاء ، وتضجر من كثرة الدعاء ، فإنك مبتلى بالبلاء ، متعبد بالصبر والدعاء ، ولا تيأس من روح اللّه وان طال البلاء . 327 - لذات الدنيا منغصة ولا تفي بعواقبها في الآخرة تفكرت في سبب دخول جهنم فإذا هو المعاصي ، فنظرت في المعاصي فإذا هي حاصلة في طلب اللذات ، فنظرت في اللذات فرأيتها خدعا ليست بشيء ، وفي ضمنها من الأكدار ما يصيّرها نغصا فتخرج عن كونها لذات ، فكيف يتبع العاقل نفسه ويرضى بجهنم لأجل هذه الأكدار ؟ فمن اللذات الزنا ، فإن كان المراد إراقة الماء فقد يراق في حلال ، وان كان في معشوق فمراد النفس دوام البقاء مع المعشوق ، فإذا كان ملكك فالمملوك مملوك ، وان هو قاربه ساعة ثم فارقه فحسرة الفراق تربي على لذة القرب . وان كان ولد من الزنا فالفضيحة الدائمة . والعقوبة التامة ، وتنكيس الرأس عند الخالق والمخلوق . وأما الجاهل فيرى لذته في بلوغ ذلك الغرض ، وينسى ما يجني مما يكدر عيش الدنيا والآخرة . ومن ذلك شرب الخمر ، فإنه تنجيس للفم والثوب ، وإبعاد للعقل ، وتأثيراته معلومة عند الخالق والمخلوق . فالعجب ممن يؤثر لذة ساعة تجني عقابا وذهاب جاه . وربما خرج بالعربدة إلى القتل . وعلى هذا فقس جميع المذوقات ، فان لذاتها إذا وزنت بميزان العقل لا تفي