ابن الجوزي

360

صيد الخاطر

أتراهم ما سمعوا أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم امتنع من الصلاة على من عليه دين وعلى الغالّ « 1 » وقال : ما ينفعه صلاتي عليه . ولقد رأيت أقواما من العلماء حملهم حب الصيت على أن استخرجوا إذنا من السلطان فدفنوا في دكة أحمد بن حنبل وهم يعلمون أن هناك خلقا بعضهم على بعض ، وما فيهم الا من يعلم أنه ما يستحق القرب من مثل ذلك فأين احتقار النفوس ؟ أما سمعوا أن عمر بن عبد العزيز قيل له تدفن في الحجرة فقال : لأن ألقى اللّه بكل ذنب ما خلا الشرك أحب اليّ من أن أرى نفسي أهلا لذلك . لكن العادات وحب الرئاسة غلبت على هؤلاء ، فبقي العلم يجري على الألسن عادة لا للعمل به ، ثم آل الأمر إلى جماعة خالطوا السلاطين ، وباشروا الظلم ، يزاحمون على الدفن بمقبرة أحمد ، ويوصون بذلك ، فليتهم أوصوا بالدفن في موضع فارغ ، إنما يدفنون على موتى ، ويخرج عظام أولئك فيحشرون على ما ألفوا من الظلم حتى في موتهم ، وينسون أنهم كانوا من أعوان الظلمة . أترى ما علموا أن مساعد الظالم ظالم ؟ وفي الحديث : كفى بالمرء خيانة أن يكون أمينا للخونة . قال السبحان لأحمد بن حنبل : هل أنا من أعوان الظلمة ؟ فقال : لا أنت من الظلمة . إنما أعوان الظلمة من أعانك في أمر . 322 - الحسد في طبيعة ابن آدم ولكن عليه أن لا يعمل به رأيت الناس يذمون الحاسد ويبالغون ويقولون : لا يحسد إلا شرير يعادي نعمة اللّه ، ولا يرضى بقضائه ، ويبخل على أخيه المسلم . فنظرت في هذا فما رأيته كما يقولون . وذاك ان الانسان لا يحب أن يرتفع عليه أحد ، فإذا رأى صديقه قد علا عليه تأثر هو ولم يحب أن يرتفع عليه ، وود أن لو لم ينل صديقه ما ينال ، أو أن ينال هو ما نال ذاك لئلا يرتفع عليه . وهذا معجون في الطين . ولا لوم على ذلك ، إنما اللوم أن يعمل بمقتضاه من قول أو فعل . وكنت أظن أن هذا قد وقع لي عن سرّي وفحصي ، فرأيت الحديث عن الحسن البصري قد سبقني إليه . قال أخبرنا عبد الخالق بن عبد الصمد قال أخبرنا ابن النقود قال أخبرنا المخلص « 2 » قال حدثنا البغوي قال حدثنا أبو روح قال حدثنا مخلد بن الحسين عن

--> ( 1 ) الغاول السرقة من الغنيمة ، ولعل منه أخذ أموال الدولة بلا حق . ( 2 ) لم أحقق هذه الأسماء وما أدري لعل فيها تحريفا .