ابن الجوزي
359
صيد الخاطر
من العوام بما لا يحتمله « 1 » ، فإنه لا يزول ما في نفسه ، ويخاطر المحدث له بنفسه فكذلك كل ما يتعلق بالأصول . 320 - حفظ الحدود واخلاص العمل هما ميزان المؤمن لا يغرك من الرجل طنطنته وما تراه يفعل من صلاة وصوم وصدقة وعزلة عن الخلق . إنما الرجل هو الذي يراعي شيئين : حفظ الحدود ، واخلاص العمل . فكم قد رأينا متعبدا يخرق الحدود بالغيبة وفعل ما لا يجوز مما يوافق هواه . وكم قد اعتبرنا على صاحب دين أنه يقصد بفعله غير اللّه تعالى . وهذه الآفة تزيد وتنقص في الخلق . فالرجل كل الرجل هو الذي يراعي حدود اللّه ، وهي ما فرض عليه وألزم به ولا يتعداها إلى هواه ويحسن القصد ، فيكون عمله وقوله خالصا للّه تعالى ، لا يريد به الخلق ولا تعظيمهم له . فرب خاشع ليقال ناسك ، وصامت ليقال خائف ، وتارك للدنيا ليقال زاهد . وعلامة المخلص أن يكون في جلوته كخلوته . وربما تكلف بين الناس التبسم والانبساط لينمحي عنه اسم زاهد . فقد كان ابن سيرين يضحك بالنهار فإذا جن الليل فكأنه قتل أهل القرية . واعلم أن المعمول معه « 2 » لا يريد الشركاء . فالمخلص مفرد له بالقصد ، والمرائي قد أشرك ليحصل له مدح الناس ، وذلك ينقلب . لأن قلوبهم بيد من أشرك معه ، فهو يقلبها عليه لا إليه . فالموفق من كانت معاملته باطنة وأعماله خالصة ، وذاك الذي تحبه الناس وان كرهوا ، كما يمقتون المرائي وان زاد تعبده . ثم إن الرجل الموصوف بهذه الخصال لا يتناهى عن كمال العلوم ولا يقصر عن طلب الفضائل ، فملأ الزمان أكثر مما يسعه من الخير ، وقلبه لا يفتر عن العمل القلبي . إلى أن يصير شغله بالحق سبحانه وتعالى . 321 - الدفن في مقبرة أحمد بن حنبل رأيت خلقا يفرّطون في أديانهم ثم يقولون : احملونا إذا متنا إلى مقبرة أحمد .
--> ( 1 ) ما ذا يريد أن يقول ؟ هل ندع العامي المشبه على تشبيهه لا نبين له ؟ ولم لا ؟ أو لم يبين الرسول صلى اللّه عليه وسلم التوحيد لمن رسخ في نفسه الشرك ؟ ( 2 ) أي اللّه سبحانه وتعالى .