ابن الجوزي

358

صيد الخاطر

أو رنة وتر كما حرك حنين المشتاقين ؟ وإنما يحسن التبذل في تحصيل أوفى الأغراض فلذلك حسن التبذل في خدمة المنعم . 318 - فساد أولي الأمر في سبب تبذير الولاة . أكثرهم لا يعرف ولا يتأدب بآدابه بمرة . يتفق له قلة العقل في أصل الوضع ، ثم ذلك القليل لا يعاون بل يعان عليه . وذاك أن الجارحة إذا دام تعطلها عن عملها الذي هيئت له تعطلت وخمدت ، ولهذا تنقص أبصار النساخ والرفائين « 1 » وتحتد أبصار أهل البوادي ، لأنه لا صادم لأبصارهم . وشغل العقل التفكر والنظر في عواقب الأحوال والاستدلال بالشاهد على الغائب . وهم يمتلئون من الطعام دائما وذلك يؤذي العقل . ثم يطيلون النوم ، فإذا انتبهوا شربوا المسكر فاتفق للعقل تعطيل وتغطية فساء التدبير . 319 - لا تحدثوا العوام بما لا تحتمله عقولهم من المخاطرات العظيمة تحديث العوام بما لا تحتمله قلوبهم ، أو بما قد رسخ في نفوسهم ضده . مثاله أن قوما قد رسخ في قلوبهم التشبيه ، وأن ذات الخالق سبحانه ملاصقة للعرش ، وهي بقدر العرش ، ويفضل من العرش أربع أصابع ، وسمعوا مثل هذا من أشياخهم ، وثبت عندهم أنه إذا نزل انتقل إلى السماء الدنيا ، فخلت منه ست سماوات ، فإذا دعي أحدهم إلى التنزيه وقيل له ليس كما خطر لك ، وإنما ينبغي أن تمر الأحاديث كما جاءت من غير مساكنة ما توهمه ، صعب هذا عليه لوجهين : أحدهما لغلبة الحس عليه والحس على العوام أغلب . والثاني لما قد سمعه من ذلك من الأشياخ الذين كانوا أجهل منه . فالمخاطب لهذا مخاطر بنفسه . ولقد بلغني عن بعض من كان يتدين أنه ممن قد رسخ في قلبه التشبيه أنه سمع من بعض العلماء شيئا من التنزيه فقال : واللّه لو قدرت عليه لقتلته . فاللّه اللّه أن تحدث مخلوقا

--> ( 1 ) المثال لا يطابق المقال ، فأبصار النساخ انما كلت من كثرة العمل لا من قلته .