ابن الجوزي
352
صيد الخاطر
وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ » ثم قال « وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ » فرأيت الجمادات كلها قد وصفت بالسجود ، واستثنى من العقلاء . فذكرت قول بعضهم : ما جحد الصامت من أنشأه * ومن ذوي النطق أتى ذا الجحود فقلت ان هذه لقدرة عظيمة ، يوهب عقل للشخص ثم يسلب فائدته ، وان هذا لأقوى دليل على قادر قاهر ، وإلا فكيف يحسن من عاقل ألّا يعرف بوجوده وجود من أوجده ؟ وكيف ينحت صنما بيده ثم يعبده ؟ غير أن الحق سبحانه وتعالى وهب لأقوام من العقل ما يثبت عليهم الحجة ، وأعمى قلوبهم كما شاء عن المحجة « 1 » . 312 - وجوب العزلة وذم الصوفية ما رأيت أكثر أذى للمؤمن من مخالطة من لا يصلح ، فان الطبع يسرق ، فإن لم يشتبه بهم ، ولم يسرق منهم ، فتر عن عمله . فان رؤية الدنيا تحث على طلبها . وقد رأى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم سترا على بابه فهتكه وقال : ما لي وللدنيا ؟ ولبس ثوبا له طراز فرماه وقال : شغلتني أعلامه . ولبس خاتما ثم رماه وقال : نظرت إليكم ونظرت اليه . وكذلك رؤية أرباب الدنيا ودورهم وأحوالهم ، خصوصا لمن له نفس تطلب الرفعة وكذا سماع الأغاني ، ومخالطة الصوفية اليوم الذين لا نظر لهم في الرزق الحاصل ، بل لو كان من أين كان قبلوه ، ولا يتورعون أن يأخذوا من ظالم ، وليس عندهم خوف كما كان أوائلهم . فقد كان سري السقطي يبكي طول الليل ، وكان يبالغ في الورع ، ولا لهم تعبد الجنيد ، وانما ثمّ « 2 » أكل ورقص وبطالة وسماع أغان من المردان ، حتى قال بعض من يعتبر قوله حضرت مع رجل كبير يومأ اليه من مشايخ الربط « 3 » ومغنيهم أمرد ، فقام الشيخ ونقطه بدينار على خده . وادعاؤهم ان سماع هذه الأشياء تدعو إلى الآخرة فوق الكذب . وليس العجب منهم ، انما العجب من جهال ينفقون عليهم فينفقون عليهم . ولقد كان
--> ( 1 ) المحجة الطريق . ( 2 ) ثم وثمة : هناك ( 3 ) جمع رباط : تكية أو زاوية أي دار الكسالى .