ابن الجوزي
353
صيد الخاطر
جماعة من القدماء يرون أوائل الصوفية يتعبدون ويتورعون فيعجبهم حالهم ، وهم معذورون في اعجابهم بهم ، وان كان أكثر القوم في تعبدهم على غير الجادة ، كما ذكرت في كتابي المسمى بتلبيس إبليس . فأما اليوم فقد برح الخفاء . أحدهم يتردد إلى الظّلمة ويأكل أموالهم ، ويصافحهم بقميص ليس فيه طراز ، وهذا هو التصوف فحسب . أو لا يستحي من اللّه من زهد في رفيع الأثواب لأجل الخلائق لا لأجل الحق ، ولا يزهد في مطعم ولا في شبهة . فالبعد عن هؤلاء لازم . وينبغي للمنفرد لطاعة اللّه تعالى عن الخلق أن لا يخرج إلى سوق جهده ، فان خرج ضرورة غض بصره . وأن لا يزور صاحب منصب ولا يلقاه ، فان اضطر دارى الأمر . ولا يخالط عاميا إلا لضرورة مع التحرز . ولا يفتح على نفسه باب التزوج « 1 » بل يقنع بامرأة فيها دين فقد قال الشاعر : والمرء ما دام ذا عين يقلّبها * في أعين العين موقوف على الخطر يسر مقلته ما ضر مهجته * لا مرحبا بسرور عاد بالضرر فإن كان يغلب عليه العلم انفرد بدراسته ، واحترز عن الاتباع للمتعلمين . وان غلبت عليه العبادة ، زاد في احترازه . وليجعل خلوته أنيسه . والنظر في سير السلف جليسه . وليكن له وظيفة من زيارة قبور الصالحين « 2 » والخلوة بها . وينبغي ألّا يفوته ورد قيام الليل ، وليكن بعد النصف الأول . فليطل مهما قدر ، فإنه زمان بعيد المثل « 3 » . وليمثل رحيله عن قرب ليقصر أمله . وليتزود في الطريق على قدر طول السفر . نسأل اللّه عز وجل يقظة من فضله . واقبالا على خدمته . وأن لا يخذلنا بالالتفات عنه . انه قريب مجيب . 313 - اللّه عز وجل غني عن طاعتنا ولأنفسنا نعمل كلما نظرت في تواصل النعم عليّ تحيرت في شكرها . وأعلم أن الشكر من النعم فكيف أشكر « 4 » ، لكني معترف بالتقصير . وأرجو أن يكون اعترافي قائما
--> ( 1 ) أي تكراره والاكثار منه . ( 2 ) أي الزيارة المشروعة لا لسؤال من فيها واعتقاد انه يضر وينفع . ( 3 ) أي قليل النظير . ( 4 ) أي كيف يشكر اللّه على أن أنعم عليه فوفقه للشكر .