ابن الجوزي

344

صيد الخاطر

وهذه حكاية ما تحصل بالاجتهاد ، بل الاجتهاد يحصل منها . لأنه إذا وقع تمام حث على الجد على قدر نقصانه . وهذا لا حيلة في أصله ، انما هو جبلة . وإذا أرادك لأمر هيأك له . 306 - الرد على الذين يعترضون على حكمة الخالق تأملت على قوم يدّعون العقول ، يعترضون على حكمة الخالق . فينبغي أن يقال لهم : هذا الفهم الذي دلكم على رد حكمته أليس هو من منحه ؟ أفأعطاكم الكمال ورضي لنفسه بالنقص ؟ هذا هو الكفر المحض الذي يزيد في القبح على الجحد . فأول القوم إبليس ، فإنه رأى بعقله أن جوهر النار أشرف من جوهر الطين فرد حكمة الخالق ، ومر على هذا خلق كثير من المعترضين ، مثل ابن الراوندي والبقري وهذا المعري اللعين يقول : كيف يعاب ابن الحجاج بالسخف « 1 » والدهر أقبح فعلا منه . أترى يعني به الزمان ؟ كلا . فان ممر الأوقات لا يفعل شيئا وإنما هو تسقيف « 2 » . وكان يستعجل الموت ظنا منه أنه يستريح ، وكان يوصي بترك النكاح والنسك ، ولا يرى في الايجاد حكمة إلا العناء والتعب ومصير الأبدان إلى البلى . وهذا لو كان كما ظن كان الايجاد عبثا ، والحق منزه عن العبث . قال تعالى ( وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما باطلا ) فإذا كان ما خلق لنا لم يخلق عبثا . أفنكون نحن ، ونحن مواطن معرفته ومحال تكليفه ، قد وجدنا عبثا . ومثل هذا الجهل انما يصدر ممن ينظر في قضايا العقول التي يحكم بها على الظواهر ، مثل أن يرى مبنيا ينقض ، والعقل بمجرده لا يرى ذلك حكمة ، ولو كشفت له حكمة ذلك لعلم أنه صواب . كما كشف لموسى مراد الخضر في خرق السفينة وقتل الغلام . ومعلوم أن ذبح الحيوان وتقطيع الرغيف ومضغ الطعام لا يظهر له فائدة سوى الاطلاق « 2 » فإذا علم أنه غذاء لبدن من هو أشرف بدنا من المذبوح حسن ذلك الفعل .

--> ( 1 ) كذا ، ولا أعرف للمعري قولا كهذا ، وإن كان له شر منه . ( 2 ) كذا ولعل الكلمة محرفة .